"أزْرك نْوامان".. طاحونة مائية تصارع الزمان بقلب جبال الأطلس

"أزْرك نْوامان".. طاحونة مائية تصارع الزمان بقلب جبال الأطلس

الطواحين المائية العمودية أكثر شهرة وعددا في العالم من الأفقية (الجزيرة)
الطواحين المائية العمودية أكثر شهرة وعددا في العالم من الأفقية (الجزيرة)

ماجدة أيت لكتاوي-أزيلال

تقول الأسطورة إن الاستحمام بالمياه التي تدير ناعورة الرحى القابعة أعلى شلال "أوزود" بأعالي جبال الأطلس المتوسط بالمغرب، كفيلة بطرد "النحس" عن الشابات الراغبات في الزواج وتيسير حمل العواقر.

إطلاق اسم "أوزود" على الشلال المغربي الأعلى في شمال القارة الأفريقية لم يأت من فراغ، فهي كلمة أمازيغية تطلق على طاحونة الزيتون أو الحبوب، أما الرحى الموجودة أعلى الشلال وتدور بقوة الماء فيطلق عليها اسم "أزْرك نْوامان" وتعني بالعربية "رحى الماء".

لا يذكر "موحند" -صاحب البناية البسيطة التي تضم الرحى بين جدرانها العتيقة- من جاء بها ولا كيف وظفها لسحق الحبوب، فكل ما يذكره أنه تلقى أبجديات الحرفة عن والده وجده، فيما تشير كتب التاريخ إلى أن ظهورها بالمغرب يعود إلى القرن الخامس بعد الميلاد.

عائلة موحند توارثت الرحى عبر الأجيال (الجزيرة)

طاحونة تقاوم الزمان
وتبقى الطواحين المائية العمودية أكثر شهرة وعددا في العالم من الأفقية، وإن كانت التقنية المستخدمة واحدة، بدفع الماء واستغلال قوته مع اختلاف بسيط متمثل في التدفق العمودي أو السفلي الأفقي.

ويشرح العم موحند للجزيرة نت طريقة اشتغال الرحى، موضحا أن ناعورة (عجلة) تتكون من 25 ذراعا خشبيا، موضوعة بطريقة أفقية، تقبع أسفل الطاحونة في مجرى الماء المار تحت الغرفة.

ترتبط الناعورة بمحور عمودي مع الرحى الصخرية بجزأيها العلوي والسفلي، مما يجعل سرعة دوران الطاحونة مماثلة لسرعة دوران العجلة المائية، مما يؤدي إلى تحرك الجزء العلوي للرحى فوق السفلي وطحن الحبوب بروية.

يقول صاحب الطاحونة التي تستقبل مختلف أنواع الحبوب من شعير وقمح وذرة وبازلاء، "أتحكم يدويا في سرعة حركة حجر الرحى وفي المسافة بين الحجرين للوصول للنعومة المطلوبة في عملية الطحن، فيما أوقفها ليلا".

لا مكان في المنطقة المحيطة بشلال "أوزود" ورحاها الصخرية العتيقة لطواحين الكهرباء التي تنقص من جودة الدقيق وفق تقدير العم موحند، فدقيق الرحى صحي وغير محروق.

ولأن الجزاء من جنس العمل، فقد جرت العادة بأن يحصل صاحب الطاحونة على جزء من الدقيق يراعي نسبة الكمية المطحونة، عوضا عن المقابل المادي.

طول شلال أوزود في قرية تنارملت يبلغ 110 أمتار (الجزيرة)

هنا قرية "تنارملت" في نواحي إقليم (محافظة) أزيلال، حاضنة الشلال البالغ طوله 110 أمتار، والذي ينساب من الأعلى ليلامس الأرضية الأولى قبل أن يتجمع الماء فيها من جديد وينحدر بقوة نحو المصب.

مخترقة بساتين أشجار الزيتون والكروم واللوز والتفاح، تجري مياه شلال "أوزود" دافقة بين ضفتي وديان يصل ارتفاعها إلى أربعمئة متر، لتروي جنبات الحقول مانحة الحياة لسهول "تادلا"، قبل أن تتجمع من جديد في مجرى واحد يصب في وادي "العبيد"، الرافد الأساسي لنهر أم الربيع أحد أهم أنهار المغرب.

في "أوزود"، يستطيع الزائر السباحة في بحيرتين يعلوهما رذاذ الماء وألوان قوس قزح، أو أخذ قسط من الراحة تحت الظلال الوارفة للأشجار المنتشرة على جنبات الوادي العميق، عقب جولة تنطلق من أعلى نقطة من الشلال نزولا في اتجاه البحيرتين قبل الصعود إلى الجهة المقابلة.

الجولة التي تستغرق ساعة ونصف تمر عبر مسالك طبيعية وعرة، وتغوص بالزوار نحو عوالم طبيعة خلابة وأشجار وارفة وجداول مياه يرافق خريرها الراغبين في اكتشاف المنطقة راجلين، قبل أن تستقبلهم روائح الطاجن المغربي بأنواعه وأقداح الشاي بإكليل الجبل المعد بالطريقة الأمازيغية، مقدمة من مطاعم لا تخلو من البساطة إلا أنها توفر منظرا مذهلا للشلال.

موحند يتحكم يدويا في سرعة حركة الرحى للوصول إلى النعومة المطلوبة (الجزيرة)

سحر لا يقاوم
استطاع الشلال الأعلى من نوعه في المغرب وشمال أفريقيا أن يتميز -إلى جانب طبيعته الساحرة وموارده المائية السطحية والجوفية- بجمال وغنى تكوينه الجيولوجي وتراثه الأركيولوجي، مما جعل المنطقة القلب النابض لمنتزه "جيوبارك مكون العالمي" الممتد على مساحة 12 ألف هكتار وسط جبال الأطلس الكبير والمتوسط.

المنتزه المغربي الذي بات مكانا ملائما للبحث العلمي والبيئي مع كل ما يزخر به من ثروات جيولوجية وطبيعية وثقافية، استطاع نيل اعتراف منظمة "اليونسكو" عبر دمجه في الشبكة العالمية للمنتزهات الجيولوجية، جاعلا من المغرب البلد العربي والأفريقي الوحيد، العضو بهذه الشبكة.

في ساعات العشي، حين يتدثر الشلال وبساتينه برداء الغروب الأحمر، تخرج القردة لتطل على الزوار ممن يستعدون للمغادرة، محاولين اللعب والتقاط صور تذكارية معها مقابل حفنة من الفشار أو قليل من الفول السوداني.

وعلى نغمات سجع الحمام البري واليمام الأزرق الذي يمشط المكان استعدادا لقضاء الليل داخل أعشاش مبنية على جدران الوادي الطينية، مستفيدة من الأشكال الجيولوجية التي توفر لها مساحة مريحة؛ يحين وقت الرحيل، ويأبى صوت خرير المياه العالي إلا أن يلازم الزوار رغم ابتعادهم، في وقت يجدون فيه أنفسهم مرغمين على الالتفات وراءهم برهة وإلقاء نظرة منبهرة أكثر منها مودعة.

المصدر : الجزيرة