بوصفها تاج البر.. الروض القطرية تاريخ ومصدر رزق

بوصفها تاج البر.. الروض القطرية تاريخ ومصدر رزق

القطريون يحرصون على ربط أبنائهم بحياة الأجداد والتعرف إلى الروض (الجزيرة)
القطريون يحرصون على ربط أبنائهم بحياة الأجداد والتعرف إلى الروض (الجزيرة)

عماد مراد-الدوحة

"في تلك الروضة الخضراء ولدتُ وعشت طفولتي، فهي جزء من تكويني وتكوين أبناء جيلي، فأهل قطر في الماضي كانوا يخرجون إلى البر في فصل الشتاء والربيع ويعودون للمدينة في فصل الصيف".

الدكتور خالد الخاطر الذي يحرص على العودة إلى روضة الغُبيّات الواقعة شمال قطر -خلال تلك الفترة كل عام- يعتبر أن الروض قديما كانت تقوم بالدور الأكبر في تأمين معيشة أهل قطر، لذا لابد وأن يتم التعامل معها حاليا من باب رد الجميل وليس بتلك الممارسات التي يقوم بها البعض والتي تضر حياة البر بشكل كبير.

الروض في قطر هي مناطق واسعة عملت السيول على جمع الترسبات الطينية بها عبر آلاف السنين، لتصبح أراضي طينية خصبة تجتمع بها مياه الأمطار، مما يساعد على نمو العديد من الحشائش والأشجار، وعلى رأسها شجرة السدر البري.

تجمع مياه الأمطار في الروض (الجزيرة)

ويبلغ عدد الروض في دولة قطر 1826 روضة منتشرة في كافة أرجاء البلاد، وتغطي نسبة 2.5% من مساحة قطر، وتحمل هذه الروض أسماء مختلفة قد تكون أسماء لأشخاص كانوا يعيشون فيها أو نباتات معينة تنمو بكثرة في هذه الروض.

محاسن الروض
ويعدد الخاطر، محاسن الروض في قطر بأنها تخفف عن مرتاديها ضغوط الحياة وضوضاء المدينة وتلوثها، وتنبت أجود أنواع العشب مثل القطيفي والنفل الذي يعطي رائحة زكية من مسافات بعيدة وغير ذلك من مختلف الأعشاب والنباتات البرية الكثيرة، معتبرا أنه مثلما حافظ الآباء والأجداد على هذه الروض يتعين على القطريين الآن الحفاظ عليها من التجريف وحفظها للأجيال القادمة.

وتحدث الخاطر عن الفارق بين الروض حاليا وقديما، مشيرا إلى أن الروضة قديما كانت موقعا للاستقرار العائلي لفترة طويل،ة يعيش فيها مرتادوها حياتهم العادية يتزوجون ويضعون مواليدهم ويدفنون عند موتهم في أرضها، وكانت موقعا لإقامة المناسبات الاجتماعية المختلفة، فضلا عن أهميتها الاقتصادية في رعي الماشية، أما الآن فبات اللجوء إلى الروض من أجل التنزه والابتعاد عن حياة المدينة بتفاصيلها المزعجة.

مجالس الروض وسيلة للترابط العائلي (الجزيرة)

ويحذر الخاطر من أن الروض القطرية وبيئتها الطبيعية تقع حاليا تحت تهديد وجودي مستمر، وأن عددها في تناقص بسبب ممارسات البعض وحب التملك والحجز والاستحواذ والتوسع التجاري،مثل إقامة المشاريع الزراعية والمصانع والكسارات التي تتوسع أفقيا بشكل مفرط وتحدث دمارا هائلا للبيئة، بالإضافة إلى الرعي الجائر وسوء معاملة واستغلال هذه الموارد الطبيعية.

وفي خيمةٍ على مشارف الروضة يجلس إلى جوار خالد عمه محمد بن عبد الله الخاطر، الذي ما أن بدأ الحديث عن الروضة إلا وأنشد أبياتا من الشعر يتغزل فيها في حياة البر ومحاسنها.

بساطة المعيشة
يتخيل محمد الخاطر الذي قارب على السبعين ربيعا ذكريات طفولته في هذا المكان، ويحكي للحاضرين في المجلس كيف كانت تلك الروضة قديما ملجأ للجميع، راويا للحضور بساطة المعيشة في تلك الروض قبل أربعة عقود وعن الزيجات التي حدثت في تلك البقعة والأولاد الذين ولدوا فيها.

اللون الأخضر يكسو الروض في فصل الربيع (الجزيرة)

الفرق بين نظرة الأجيال الجديدة للروض وبين نظرة كبار السن لها وفقا لمحمد أن الروض تعني لكبار السن، الحياة نفسها بجميع تفاصيلها فهم لم يشاهدوا لعقود حياة مثلها، أما الأجيال الجديدة فتعتبر الروض مكانا للتنزه واجتماع العائلة فقط، مطالبا الآباء بربط أبنائهم بتراث بلدهم وتاريخهم.

ويرى محمد أن الأمير عبد القادر الجزائري هو الوحيد الذي استطاع التعبير عن جمال حياة البر والروض عند العرب بأبيات، ستظل باقية تعبر عن الحياة الحقيقية التي يراها الشخص في ذلك المكان، عندما قال:

يا عاذرا لامرئ قد هام في الحضر... وعاذلا لمحب البدو والقفر
لا تذممن بيوتا خفّ محملها... وتمدحن بيوت الطين والحجر
لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني... لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر
أو كنت أصبحت في الصحراء مرتقيا... بساط رمل به الحصباء كالدرر
أو جلت في روضة قد راق منظرها... بكل لون جميل شيّق عطر
تستنشقنّ نسيما طاب منتشقا... يزيد في الروح لم يمرر على قذر
أو كنت في صبح ليل هاج هاتنه... علوت في مرقب أو جلت بالنظر
رأيت في كل وجه من بسائطها... سربا من الوحش يرعى أطيب الشجر
فيا لها وقفة لم تبق من حزن... في قلب مضنى ولا كدا لذي ضجر

ما في البداوة من عيب تُذمُّ به... إلا المروءة والإحسان بالبدَر

وصحةُ الجسم فيها غير خافية... والعيبُ والداءُ مقصور على الحضَر 

 

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: