مسرح "نقش" علمي.. الأول من نوعه لأطفال الأردن

مسرح "نقش" علمي.. الأول من نوعه لأطفال الأردن


همام العسعس-عمّان

خلف ستارة مغلقة، يسير المسرحي عبد الله الشمالي ذهاباً وإياباً على خشبة المسرح، يراجع المعلومات بذهنه جيدا ويهيئ نفسه للعرض، في حين يعمل عشرون متطوعا في آن واحد كخلية نحل، لتجهيز أدوات العرض والمواد الكيميائية لعمل التجارب. بعدها بدقائق، تتجه أنظار المتطوعين صوب الشمالي إيذانا برفع الستارة والانطلاق نحو العرض الأول.

في الدقائق الأولى للعرض المسرحي العلمي الأول، يبدو الأمر غير مألوف بالنسبة للجمهور، لكن سرعان ما يبادر الشمالي لجعل الأطفال جزءا من العرض، من خلال إشراكهم في عمل التجارب، وإثارة الأسئلة العلمية على خشبة المسرح. وبأسلوبه التفاعلي يستطيع جذب الأطفال نحو المسرح، لمعانقة الأدخنة المتصاعدة بعد التجربة الأولى، في مشهد يملأه الفرح والسرور على وجوه الأطفال.

الشمالي وبأسلوبه التفاعلي جذب الأطفال نحو المسرح لمعانقة الأدخنة المتصاعدة بعد التجربة الأولى (الجزيرة)

بين المسرح والعلم
يعمل الشمالي (26 عاما) مهندسا في مجال الطاقة المتجددة، إضافة لكونه ممثلا كوميديا ومسرحيا منذ سنوات الدراسة الجامعية، يضيف أنه يمتلك مهارة في تقديم المعلومة بطريقة مسلية، الأمر الذي دفعه لتوظيف مواهبه في العروض العلمية للأطفال العامين الأخيرين.

يتابع -للجزيرة نت- أن الجزء الأهم من هذه العروض يتمثل في تجاوز أسلوب التلقين المرتبط بالغرف الصفية، لتغيير مفهوم العلم لدى الأطفال من خلال تقديم عرض مبهر، لتجارب علمية منتقاة ومحتوى علمي مُعد بعناية فائقة، على أيدي متخصصين، ضمن فريق من المتطوعين.

يعمل متطوعو "نقش" على تحضير المحتوى العلمي قبل أشهر من العروض المسرحية، ضمن فريق من المتخصصين، للإشراف على إعداد التجارب الملائمة للأطفال، وشراء الأدوات المناسبة لذات الغرض، كما أن النصوص والمصطلحات المستخدمة في العروض تخضع لإشراف عدد من الخبراء. 

أثناء تقديم العروض على مسرح نقش بأسلوب تفاعلي (الجزيرة)

مبادرة للأطفال
"في العام الجامعي الأول شعرت بخيبة أمل لقلة اهتمام الطلبة بتخصصاتهم" هكذا يفسر مؤسس مبادرة "نقش" أحمد أبو بكر (23 عاما) سبب اهتمامه بتقديم العروض العلمية بطرق غير تقليدية، إذ عمل على تأسيس ناد علمي -يُعنى بتقديم البرامج والعروض العلمية لطلبة الجامعة- قبل أن يفكر في تسخير خبراته لطلبة المدارس، وعلى نفقته الخاصة.

يضيف الطالب الجامعي (أبو بكر) أن فكرة المبادرة مستلهمة من محاضرات عيد الميلاد التي أسسها العالم مايكل فاراداي، لتأثره بالعروض العلمية الشيقة التي كان يقدمها الكيميائي همفري ديفي للعامة في طفولته، والتي شكلت مصدر إلهام لأطفال كونوا بعد ذلك أجيالا من العلماء في بريطانيا والعالم.

وبحسب أبو بكر فإنه شعر بالحاجة لتأسيس مبادرة خاصة بتقديم محتوى علمي للأطفال، خلال عروض مسرحية شيقة وعصرية ومبتكرة لتنشئة جيل علمي عربي، يمكن أن يحدث فرقا في المستقبل.

قدم وعدد من المتطوعين الجامعيين عشرات العروض والتجارب في مدارس المملكة، قبل الانتقال إلى المسرح، فقد شعر بعد قُرابة العامين بأهمية تطوير هذه العروض، بسبب تأثر الأطفال بأسلوب العرض بعيدا عن أسلوب التلقين المتبع في المدارس، ليفكر مليا في إيصالها إلى عدد أكبر من المتلقين عبر خشبة المسرح. 

المبادرة تقدم محتوى للأطفال لتنشئة جيل علمي عربي (الجزيرة)

العروض متوفرة للجميع
كانت جهود التحضير لعروض التجارب حملا ثقيلا على متطوعي "نقش" لما يتطلب الأمر من شراء لوازم التجارب الكيميائية وأدواتها، إلى تأمين حجز المسارح في مختلف مناطق المملكة، وصولا إلى تصوير العروض لنشرها عبر الإنترنت، كي يستفيد منها أكبر عدد ممكن من الأطفال، ليحظى الفريق أخيرا بدعم إحدى مؤسسات المجتمع المدني "مؤسسة عبد الحميد شومان".

تنقسم عروض المبادرة إلى ستة عروض نصفها بالعاصمة عمّان، والمتبقي منها توزع على محافظات المملكة، تُقدم بتسلسل بين العلوم، كالأحياء والكيمياء والفيزياء. وتتضمن سلسلة من التجارب التي توضح أهمية العلم في مساعدة البشرية بشكل هائل. وتُختم بمجموعة من قصص العلماء الذين ساهموا في تغيير العالم. 

تتبنى المبادرة شعار "نقش.. لجيل يحب العلم" (الجزيرة)

ضعف المحتوى العلمي
يفسر أبو بكر فلسفة الاسم من الحديث النبوي "العلم في الصغر كالنقش في الحجر" وبما أن المبادرة تستهدف الأطفال فإن أثرها سيثمر في مستقبل الأجيال القادمة، إذ تتبنى المبادرة شعار "نقش.. لجيل يحب العلم".

ويشير إلى ضعف المحتوى العلمي العربي في المؤسسات التعليمية والإعلام وشبكة الإنترنت، مما يفسر تراجع إقبال الطلبة على المواد العلمية وتدني تحصيلهم العلمي فيها، ويدعو أبو بكر المؤسسات التعليمية إلى مقارنة المناهج التعليمية بمناهج الدول المتقدمة، وتطوير أسلوب طرحها بطرق مسلية وجذابة تُشعر الطلبة بأهميتها.

ويأمل أن يحظى مشروعه بدعم يضمن استمراريته على المدى البعيد، ويختم بالقول "إن هذه المشاريع العلمية تحتاج لإرادة دول لدعمها، وإن لم تعد بمردود مادي مباشر فإنها تغير مستقبل الدول على المدى البعيد، ويعود مردودها كبيرا".

المصدر : الجزيرة