سجد شكرا على النكسة.. الشعراوي إمام الدعاة الذي أثار غضب العلمانيين

سجد شكرا على النكسة.. الشعراوي إمام الدعاة الذي أثار غضب العلمانيين

رغم مرور أكثر من عشرين عاما على وفاة الشعراوي، فإن ذكراه ما زالت حية في نفوس المصريين (مواقع التواصل)
رغم مرور أكثر من عشرين عاما على وفاة الشعراوي، فإن ذكراه ما زالت حية في نفوس المصريين (مواقع التواصل)

"اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت نبينا محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة"، ما أن يسمع هذا الدعاء المأثور بعد كل أذان، حتى يحضر في خاطر كثيرين، صوت من يصفه محبوه بإمام الدعاة، الشيخ محمد متولي الشعراوي.

ارتبط المصريون بالشعراوي كما لم يرتبطوا بشيخ قبله أو بعده، حتى باتت موسيقى برنامجه إحدى كلاسيكيات التلفزيون المصري، فعشرات السنوات مرت والمصريون يتابعون كل أسبوع بعد صلاة الجمعة خواطر الشعراوي حول القرآن الكريم، فضلا عن الحضور البارز قبل الإفطار في شهر رمضان، حتى أصبح الشعراوي أحد أهم مظاهر شهر رمضان في مصر على غرار أذان المغرب الشهير للشيخ الراحل محمد رفعت.

ورغم مرور أكثر من عشرين عاما على وفاة الشيخ الجليل فإن ذكراه ما زالت حية في نفوس المصريين، وخواطره في تفسير القرآن الكريم مستمرة في جاذبيتها وتعيد الفضائيات عرضها بين الحين والآخر، خاصة في شهر رمضان.

مسيرة حافلة
ولد الشعراوي في مثل هذا اليوم، 15 أبريل/نيسان من عام 1911 في قرية دقادوس بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، وحفظ القرآن الكريم في العاشرة من عمره، وتخرج في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1940، ثم حصل على الشهادة العالمية مع إجازة التدريس 1943، بعدها عمل أستاذا للشريعة بجامعة أم القرى السعودية عام 1950.

وفي عام 1963 عاد الشيخ الشعراوي إلى مصر إثر خلاف الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع ملك السعودية آنذاك، سعود بن عبد العزيز، ليمكث حينا في مصر، ثم سافر إلى الجزائر رئيسا لبعثة الأزهر، ومكث بها سبع سنوات قضاها في التدريس.

وحين عاد الشيخ الشعراوي إلى القاهرة، عين مديرا لأوقاف محافظة الغربية فترة ثم وكيلا للدعوة والفكر ثم وكيلا للأزهر، ثم عاد ثانية إلى السعودية، حيث قام بالتدريس في جامعة الملك عبد العزيز.

وفي نوفمبر/تشرين ثاني 1976 اختاره رئيس الوزراء المصري ممدوح سالم وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر، وظل في الوزارة حتى أكتوبر/تشرين أول عام 1978، وفي سنة 1987 اختير عضوا بمجمع اللغة العربية.

كان الشيخ الشعراوي أول من أصدر قرارا وزاريا بإنشاء بنك إسلامي في مصر (بنك فيصل)، كما اختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، الذي تنظمه الرابطة.

مثير للجدل
رغم الشعبية الجارفة للشعراوي بين المصريين، فقد أثار الجدل ببعض المواقف والتصريحات، فخلال فترة عمله بالجزائر قال إنه سجد لله شكرا بعد اجتياح إسرائيل لسيناء في نكسة عام 1967، وبرر ذلك بقوله إن "مصر لم يكن لها أن تنتصر وهي في أحضان الشيوعية، وإلا فتن المصريون في دينهم"، وهو الأمر الذي استجلب عليه نقدا واتهاما في وطنيته.

رمزية الشيخ وتأثيره الواسع دفعت إلى تجسيد قصة حياته في مسلسل تلفزيوني حمل عنوان "إمام الدعاة" بطولة الممثل الشهير حسن يوسف، لكن هذه الرمزية حولت سجالات نقده إلى معارك حامية الوطيس.

عندما كتب الأديب الشهير توفيق الحكيم مقال "حديث مع الله" هاجمه الشعراوي بشدة، ليأتي الرد على الشعراوي من أديب آخر هو يوسف إدريس في كتابه "فقر الفكر وفكر الفقر" الذي تضمن وصفا للشعراوى بأنه راسبوتين المسلم، مشيرا إلى أنه يمتلك كل الخصال الذي كان يتصف بها الراهب الروسي راسبوتين، فهو يمتلك قدرة على إقناع البسطاء من الجمهور، وقدرة على التحدث بذراعيه وتعبيرات وجهه، بالإضافة إلى قدرته الواضحة على التمثيل، ولكنها قدرة ممثل نصف موهوب، على حد وصفه.

في كتابه "الثقافة الشعبية في العالم العربي.. الفنون والسياسة والإعلام" يرى الكاتب البريطاني "أندرو هاموند" أن النفوذ الكبير للشعراوي بدأ في البزوغ عقب نكسة 1967، حين قاد الشيخ مرحلة صحوة إسلامية للعودة إلى القيم الإيمانية التقليدية، مستغلا ارتباط التيارات اليسارية والعلمانية بمرحلة النكسة التي استجلبت حنق الجماهير وغضبها.

وأخذ كُتاب وإعلاميون على عاتقهم مسؤولية تبديد ما وصفوه بـ"الهالة الوقائية" التي كونها أنصار الشيخ حين اعتبروه "إمام الدعاة" و"مجدد الدين"، حيث يقول الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى إن "المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل الشعراوي إلى رجل يكفي نقده أن يثير الملايين من الناس ضدك".

محاكمة رمزية
ووصل انتقاد الشعراوي إلى تنظيم محاكمة رمزية له بنقابة الصحفيين عام 1997 بدعوى تبنيه الفكر السلفي برعاية رموز إعلامية وفنية ووصفوه بـ"عراب السلفيين" ومنظر فكرهم، والمثير أن هذا حدث بينما يعتبره سلفيون "صوفيا قبوريا" وصنفوا كتبا في نقد فكره ورصد ما يرونه بدعا وضلالات قدمها الشيخ في برامجه وكتبه.

لم يتوقف الجدل عند الأدباء والنخبة العلمانية المنتقدة للخطاب الديني عموما وللشعراوي بشكل خاص، بل وصل الجدل إلى مواقف الشيخ السياسية ومدحه للسادات والشيخ زايد رئيس دولة الإمارات، ويتذكر المصريون لقطته الشهيرة مع الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد نجاته -من محاولة اغتيال بأديس أبابا عام 1995- حيث قال له الشيخ "إذا كنت قدرنا فليوفقك الله، وإن كنا قدرك فليعنك الله على أن تتحمل".

هاجمه الشيخ الشهير عبد الحميد كشك في إحدى خطبه قائلا "ماذا تقول لربك غدا عندما وقفت في مجلس الشعب وقلت لو كان بيدي شيء من الأمر لرفعت هذا الحاكم (السادات) إلى قمة لا يسأل عما يفعل! من الذي لا يسأل عما يفعل؟" لترد الجماهير خلفه بحماس "الله الله الله".

توسيع هامش الدعوة
في المقابل يرى محبوه أن أغلب تلك المقولات مقتطعة وخارجة عن سياقها، وأن الشيخ الشعراوي كان متوازنا وحريصا على الاستفادة قدر الإمكان من علاقاته بأرباب السلطة في الوصول للناس، وتوسيع هامش الحركة والحصول على مكاسب أكبر للدعوة، وهو ما لا غضاضة فيه حسب رأيهم.

ولا أدل على تهافت تهمة الولاء المطلق للحكام عندهم، مما ثبت من خلافات بينه وبين السادات وزوجته، ومن ذلك اعتراضه على سبّ السادات للداعية أحمد المحلاوي، ورفضه مساعي جيهان السادات لإقرار قانون الأحوال الشخصية باعتباره مخالفا للشريعة، الأمر الذي دفعه في النهاية للاستقالة من منصب وزير الأوقاف.

ويرى محبوه أن انتقاد النخبة العلمانية للشعراوي ليس موجها لفكره أو اعتراضا على شخصه بل هو انتقاد بالأساس لانتشار الخطاب الإسلامي في ذلك الوقت، الذي كان الشعراوي من أبرز رموزه حيث استثمر شعبيته الجارفة في ترسيخ المفاهيم الإسلامية المناقضة لأفكار هذه النخبة.

الصراع بحسب وصفهم كان صراعا إسلاميا علمانيا، تجلى في الهجوم على أبرز الرموز الإسلامية مثل الشعراوي والغزالي وكشك.

توفي الشيخ محمد متولي الشعراوي يوم الجمعة 20 من ذي الحجة 1418هـ الموافق 17 من أبريل عام 1998م، تاركا وراءه تراثا كبيرا من التسجيلات التلفزيونية والإذاعية ما زالت حية ولم تفقد جاذبيتها رغم مرور السنين.

المصدر : الجزيرة