تونسي يخلد آثار المهاجرين الغرقى في متحف

محسن لهيدب وسط متحفه (الجزيرة)
محسن لهيدب وسط متحفه (الجزيرة)

حياة بن هلال-جرجيس

حال دخولك المكان ينتابك شعور غريب تمتزج فيه الرهبة بالفضول والشفقة وحب الاطلاع. أحذية أطفال وملابس مستعملة وقوارير ورسائل قديمة وكومة من المظلات مصفوفة بطريقة فنية.

"ذاكرة البحر والإنسان" هكذا سمى محسن لهيدب، ساعي بريد متقاعد من مدينة جرجيس جنوبي تونس، متحفه الفريد الذي يجمع فيه جميع أغراض الغرقى المهاجرين التي يلفظها البحر ليشكل بها مساحة فنية كما أراد تسميتها.

آثار خالدة
انطلق محسن في تجميع الأغراض التي يلقيها البحر منذ أكثر من 20 سنة. كانت في البداية فكرة بيئية سرعان ما تطوّرت لتشمل موضوع الهجرة غير النظامية الذي بات يشكل أهم مشاغل المنظمات والدول.

وتعتبر جرجيس من أكثر المدن الساحلية التي يجتاز عبرها المهاجرون غير النظاميين الحدود، فبعد أن كانت قوارب الهجرة تنطلق من ليبيا أصبحت تخرج من سواحل جرجيس نظرا لتردي الأوضاع الأمنية في الجارة الليبية.

وقد بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين من جرجيس قرابة 5000 مهاجر منذ 2011، الأمر الذي جعل الجثث والأغراض الملقاة على السواحل لا تنقطع على مدار السنة، وقد تطوع محسن لهيدب لجمعها طيلة سنوات.

يصفّ محسن الأغراض بطريقة منظمة وسط المتحف (الجزيرة)

آلاف الأغراض من أحذية وملابس وحتى رسائل، خصّص لها محسن قرابة الألف متر مربع من أرضه وصففها في تناسق ونظام فني، رغم النظرة السلبية للمجتمع والأقارب.

يقول محسن للجزيرة نت "سلط علي ضغط اجتماعي كبير وحتى عبارات استفزاز وسخرية لكني لم أتراجع".

أكثر ما يلفت الانتباه ويدمي القلب هنا أغراض الأطفال الذين ماتوا غرقا ولا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في ظروف دفعت بأهاليهم إلى الهجرة غير النظامية نحو أوروبا "طمعًا" في معيشة أفضل من تلك التي يعيشونها في بلدانهم النامية.

رسائل البحر
منح لهيدب "ذاكرة" لهؤلاء المهاجرين الذين انتهت حياتهم في عرض البحر بعد رحلات شاقة، وأضيفوا إلى مآسي الهجرة غير النظامية، ومن بين الأغراض التي وجدها محسن رسائل بحرية مكتوبة بلغات شتى.

رسائل مختلفة المواضيع إلا أن البريد واحد وهو موجات البحر، فالمهاجر يكتب رسالة قبل بداية رحلته تحوي كل ما يختلج في صدره.

تحويل الفضلات البلاستيكية إلى تحف فنية حفاظا على نظافة المحيط (الجزيرة)

يقول محسن "هناك رسائل تطلب النجاة من الآلهة وأخرى خواطر خاصة وتارة أجد وصية أحدهم قبل الانتحار".

يتأثر محسن بكل رسالة يقرؤها لاسيما وأنه يعلم أن كاتبها في عالم آخر، الأمر الذي جعله يتمسك أكثر بالاحتفاظ برسائلهم تكريما لهم بدل إتلافها.

قوارير وإطارات بلاستيكية جمعها محسن من البحر وجمعها على الشاطئ (الجزيرة)

ومن بين الرسائل التي قذف بها الموج بين يديه رسالة تعارف، دفعه الفضول للبحث عن صاحبها علّه يجده. واتبع المعطيات التي وجدها إلى أن تواصل مع الرجل وهو من ولاية ساحلية تبعد نحو 400 كلم عن جرجيس. يقول محسن "لقد ربحت صديقا طيّبا من وراء تلك الرسائل وقد حضرت حفل زفافه مؤخرا".

متحف مجاني تعليمي
لن تدفع مليما واحدا عند زيارتك متحف "ذاكرة البحر والإنسان" مثلما أكد صاحبه للجزيرة نت "متحفي رمزي وذو بعد إنساني وسيفقد رمزيته إن تلقيت نقودا مقابل زيارته"، فهو مفتوح للجميع وفي أي وقت. وقد أصبح هذا المتحف مع مرور السنوات مزارا لمثقفين من ربوع العالم.

 محسن لهيدب أمام أحد إبداعاته الفنية بعد إعادة تدوير المواد التي جمعها (الجزيرة)

يستضيف محسن في متحفه تلاميذ المدارس بين الفينة والأخرى ليغرس فيهم روحا إنسانية أراد تمريرها لبقية الأجيال، فضلا عن توعيتهم بمخاطر الهجرة غير النظامية وضرورة المحافظة على البيئة والمحيط.

وبعد أن كان يتلقى رسائل "الأحياء" عبر مكاتب البريد اتخذ من موجات البحر بريدا مكنه من تخليد رسائل الأموات، إضافة إلى إرسال رسائل توعية مجانية وقيمة، ووضع مكسرات داخل قوارير وإرسالها عبر البحر علها تقع بين يدي مهاجر جائع في عرض المحيط.

تحفة فنية صنعها محسن من فضلات وجدها على الشاطئ (الجزيرة)

ولم يقتصر عمل الرجل الإنساني على تخليد ذكرى المهاجرين والتعريف بقضاياهم، بل تعدى ذلك إلى إعادة تدوير الفضلات البلاستيكية وتطويعها إلى تحف فنية قصد حماية البيئة وإضفاء منظر جمالي على الشاطئ.

لم يثن رأي المحيطين بمحسن عن مواصلة مشروعه البيئي والإنساني، ولم يتوقف عن التجول في شواطئ مدينته بحثا عن مزيد من الأغراض التي يعتبرها رسالة من المهاجرين لإيصال أصواتهم المدفونة وتخليد ذكراهم.

المصدر : الجزيرة