مخيم "عزمي المفتي" بالأردن.. مبادرة لتعليم المعاقين فنون القتال

تكريم بعد مشاركات ومنازلات استعراضية مع أبطال من حول العالم على هامش بطولة الاحتراف في القارات الثلاث (الجزيرة)
تكريم بعد مشاركات ومنازلات استعراضية مع أبطال من حول العالم على هامش بطولة الاحتراف في القارات الثلاث (الجزيرة)

همام العسعس-عمان

من بين أحد الأزقة التي غابت عنها شمس العودة لفلسطين يعمل مدرب الكيك بوكسينغ فادي الصقور (41 عاما) في مخيم الشهيد عزمي المفتي للاجئين الفلسطينيين -بمحافظة إربد شمال الأردن- على تجهيز أبناء المخيم من الأشخاص ذوي الإعاقة للبطولة الاستعراضية الأولى في الشرق الأوسط.

داخل منزل متهالك الجدران وبإمكانيات متواضعة يحاول الصقور جاهدا تغيير واقع الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال تدريبهم على الفنون القتالية مجانا، حيث استأجر هذا المكان على نفقته الخاصة، بعد أن شاهد أحد المارة ذات يوم يعتدي على طفل مصاب بمتلازمة داون، ما دفعه لإنشاء مركز خاص بهذه الفئة مطلقا عليه اسم "سواعد النشامى".

ذوو الإعاقة إلى البطولات العالمية
حظيت مبادرة الصقور باهتمام رئيس الاتحاد الدولي لمدربي ألعاب الفنون القتالية حسان البيطار الذي استضاف كلا من اللاعب أشرف البقيعي (31 عاما) مصاب في متلازمة داون، واللاعبين علاء وادي (15 عاما)، وحسين المصري (13 عاما) من فئة الصم والبكم في بطولة اليونان خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ضمن منازلات استعراضية مع أبطال من حول العالم على هامش بطولة الاحتراف في القارات الثلاث.

وشكلت مشاركة اللاعبين ذوي الإعاقة في بطولة اليونان حافزا لدى أهالي المخيم، للدفع بأبنائهم للالتحاق بتدريبات الكابتن الصقور، ليصل عدد اللاعبين من ذوي الإعاقة إلى 40 شخصا، وأصبحت رياضة الكيك بوكسينغ لذوي الإعاقة ثقافة سائدة عند أهالي المخيم، بعد أن كانت محطا لاستهجان الكثيرين.

المدرب فادي الصقور واللاعب أشرف البقيعي (الجزيرة)

البطولة الاستعراضية الأولى عربيا
قبيل ساعات من بدء البطولة الاستعراضية الأولى على مستوى الشرق الأوسط للأشخاص ذوي الإعاقة حضرت الجزيرة نت تدريبات اللاعبين داخل المركز، قبل أن يتوجهوا لصالة الكرمل، حيث يواجه اللاعبون من ذوي الإعاقة أبطالا حقيقيين حازوا على بطولات عربية وعالمية، في منازلة استعراضية دعما للأشخاص ذوي الإعاقة.

يستعد اللاعب أشرف البقيعي (31 عاما) -مصاب بمتلازمة داون– لمواجهة بطل العرب في رياضة الكيك بوكسينغ منذر عقيلان، ويبذل المدرب فادي الصقور مجهودا كبيرا في تدريبه، فكل حالة تتطلب تدريبا خاصا، ورغم صعوبة الأمر فإنه ليس مستحيلا، بحسب الصقور.

قلة الدعم
وعلى الرغم من تواضع الإمكانيات وعدم توفر ملابس وأجهزة تدريب خاصة بذوي الإعاقة يواصل الصقور تدريب هذه الفئة من الأطفال منذ 8 سنوات، حاول خلالها مخاطبة كل من الاتحاد الأردني لرياضة الكيك بوكسينغ، والمجلس الأعلى لشؤون الاشخاص المعوقين لدعم هذه الفئة، دون جدوى.

تكريم اللاعب المصاب بمتلازمة داون أشرف البقيعي بكأس البطولة (الجزيرة)

دعم أبطال الكيك بوكسينغ
"بحياتي ما خسرت قاضية، لكن اليوم آثرت أن أخسرها مع اللاعب البقيعي، لأعطيه دافعا للإحساس بإنسانيته"، هكذا عقب بطل العرب في رياضة الكيك بوكسينغ منذر عقيلان (38 عاما) على خسارته في منازلة اللاعب من ذوي الإعاقة أشرف أبو عزيز.

ويضيف عقيلان -الذي تعدى حاجز المئة لقاء دولي- أن مشاركته في هذه البطولة الاستعراضية لذوي الاحتياجات الخاصة، لإشعارهم بأنهم أشخاص متكاملون، ولمساعدتهم على الاندماج بالمجتمع المحلي.

أثر الكيك بوكسينغ على ذوي الإعاقة
سامر البقيعي -وهو شقيق اللاعب أشرف البقيعي- يشير إلى أنه لم يصدق إمكانية نجاح شقيقه بإتقان الفنون القتالية كونه من الأشخاص ذوي الإعاقة، لكنه تفاجأ بقدرة المدرب فادي الصقور على تدريبه وتأهيله لبطولات عالمية لذوي الإعاقة حول العالم.

ويضيف البقيعي أن شقيقه من الأشخاص الذين تعرضوا للاعتداء والسخرية من البعض إلى أن انضم لهذه الرياضة التي عززت ثقته بنفسه، وأصبح أكثر انضباطا وترتيبا من ذي قبل.

اللاعب المصاب بمتلازمة داون أشرف البقيعي في لقاء البطل الأردني منذر عقيلان (الجزيرة)

كابتن الإنسانية
يعمل المدرب فادي الصقور -يلقبه أهالي المخيم "كابتن الإنسانية"- على دمج ذوي الإعاقة بالمجتمع، وإشراكهم في تدريبات مع الأشخاص العاديين، لإشعارهم بالألفة والمحبة، ولمحو الانطباعات السلبية عن الأطفال ذوي الإعاقة.

ويكمن التحدي الحقيقي بالنسبة للمدرب الصقور بإدخال هذه الرياضة للاتحاد الأردني والاعتراف بها رسميا لاعتمادها للأطفال من ذوي الإعاقة ضمن نظام خاص وقوانين تحافظ على سلامة هذه الفئة.

وعلى الرغم مما حققه الصقور من بطولات فإن الأردن ودول العالم لا يعترفون بإمكانية ممارسة الأشخاص ذوي الإعاقة الألعاب القتالية، وتقتصر رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن على اللجنة البارالمبية الأردنية التي تشمل رياضات محدودة، مثل مسابقة الكراسي المتحركة وكرة الطاولة ورفع الأثقال ورمي الكرة الحديدية وألعاب القوى فقط.

ويختم الصقور حديثه للجزيرة نت بالإشارة إلى أن قدرهم في مخيم للاجئين الفلسطينيين -حاله حال أي مخيم فلسطيني يفتقر للدعم ويعاني من ارتفاع نسب الفقر والبطالة- لم يمنعهم من أن يبدعوا في كل المجالات، لتخرج هذه المبادرة الأولى على مستوى الشرق الأوسط من رحم المخيم.

مسؤولية دعم المبادرة
ووصف الأمين العام للمجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوقين (جهة حكومية) الدكتور مهند العزة ما يقوم به الصقور بالعمل النوعي والإبداعي كونه التفت لقضية كثيرا ما تهمل، فمن النادر أن يلتفت لهم في القضايا الرياضة ورياضات الدفاع عن النفس والأنشطة الترويحية.

ويشير العزة إلى أن الدعم المالي الذي يمكن أن يقدم من المجلس الأعلى لمثل هذه المبادرة متواضع جدا، مبينا أن مسؤولية دعم هذه المبادرات تقع على الاتحادات الرياضية في الأردن، بحسب قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017.

ويكشف العزة للجزيرة نت أن نسبة الأشخاص من ذوي الإعاقة هي 11.2% للبالغين 5 سنوات فما فوق، متوقعا أنه إذا تم عد الأطفال عمر 5 سنوات فما دون فإن النسبة لن تقل عما قدرته منظمة الصحة العالمية كحد أدنى لنسب الإعاقة في دول العالم وهي 15%، بحسبه.

المصدر : الجزيرة