"ألوان فن الشارع" تكسر جمود جسور تونس

ألوان فن الشارع تهدف لإحياء روح جديدة للناس ليشعروا بقيمة الحياة وجمالها (الجزيرة)
ألوان فن الشارع تهدف لإحياء روح جديدة للناس ليشعروا بقيمة الحياة وجمالها (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

أسفل جسر شارع الجمهورية قبالة قصر المؤتمرات مكان احتضان القمة العربية بالعاصمة تونس، ينهي الفنان التشكيلي محسن العواضي لمساته الأخيرة على لوحته الفنية بأحد أعمدة الجسر لامرأة متلحفة بلباسها التقليدي "السفساري" وهي تهم بالخروج من منزل عريق ذي باب عتيق مسمّر أزرق.

تأخذ الصورة بأبعادها المستوحاة من الواقع خيال الناظر إليها بعيدا إلى زمن أصيل يعيد حلم ماض جميل، ويؤّمن آذان المارة السابحين في جمال الصورة شر منبهات السيارات.

يمسك الرسام الموقر بفرشاته بلين، ثم يغمسها قليلا في خليط من الألوان ليطلي آخر بقع رمادية حزينة كانت تفسد المكان.

هذا الفنان هو أحد عشرات المتطوعين من رسامين وطلبة فنون جميلة جاؤوا من كل فج عميق لإعادة الحياة إلى أعمدة جسر شارع الجمهورية التي اتشحت مؤخرا بحزن اللون الرمادي القاتم بعدما أقدمت وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية على طمس رسومها، مما أثار ردود فعل غاضبة.

عاد الفنانون لرسم لوحاتهم من جديد بعد أن أزالتها وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية (الجزيرة)

انقشاع الحزن
ببراعة ساحر مبدع، جعل الرسام خريف الجدار ربيعا، وأعاد زهو المكان فانقشع الحزن بالألوان، لم يرتسم التعب مطلقا على وجه الرسام رغم وقوفه ساعات تلذذ دقائقها دون نسيان طغيان اللون الرمادي المائل للسكون والهوان، يقول "اللون الرمادي أعادنا إلى المربع الأول لكننا سنعيد التجربة".

وقبل أيام قليلة من انعقاد القمة العربية في قصر المؤتمرات بالعاصمة قبالة جسر شارع الجمهورية، أزالت وزارة التجهيز 113 لوحة من جملة 240 جدارية بأحجام كبيرة طلتها باللون الرمادي، غير أن هبة المجتمع المدني والفنانين التشكيليين وطلبة الفنون الجميلة أعادت وهج فن الشارع إلى الاتقاد.

يقول الرسام "إذا تركنا أعمالنا يمكن أن تضيع منا، لا بد من مواكبة إنتاجنا حتى لا نترك المجال للطرف الآخر".

ويضيف التشكيلي الذي له تجربة تزيد عن أربعين عاما، أن ما وقع يمثل فرصة لإعادة الاعتبار لفن الشارع قصد تنقية النفوس وإحياء روح جديدة لدى الناس ليشعروا بقيمة الحياة وجمالها.

الفنان التشكيلي محسن العواضي يرسم جداريته تحت جسر شارع الجمهورية (الجزيرة)
ليس بعيدا عنه أنهت طالبة معهد الفنون الجميلة بتونس أنيسة نمري طلاء جدار رمادي بخلفية بيضاء ناصعة، ثم شرعت في رسم صورة جديدة لم تتضح معالمها بعد، تطفو ملامح البراءة على وجهها النقي، لكنها لا تخفي صدمتها من طمس ثلاث لوحات جدارية رسمتها بالمكان نفسه عام 2016.

عندما أخبرها أصدقاؤها بفسخ لوحاتها من قبل وزارة التجهيز تساقطت دمعات من عينيها، لكن عزيمة الفتاة المشبعة بمعاني إرادة الحياة جعلتها تتطوع مع العديد من الفنانين التشكيليين وطلبة الفنون الجميلة الذين جاؤوا بأدواتهم الخاصة لإعادة الأمل والحياة والحلم إلى جدران الجسر بالرسومات.

تقول للجزيرة نت إنه من المحزن أن تعيد إحدى مؤسسات الدولة البؤس إلى الشوارع في وقت تمر به البلاد بأبشع الظروف بعد وفاة 15 رضيعا بتعفن جرثومي بالمستشفى، واغتصاب أكثر من 20 تلميذا من قبل أستاذ، تقول "لن نتوقف عن الرسم حتى نعيد الصور والألوان للشوارع بكل مكان".

تخفف هذه الرسوم الجمالية وطأة اكتظاظ المرور على السائقين (الجزيرة)

فسحة الأمل
يمثل الرسم على الجدران في الشارع، وفقها، "فسحة أمل" للمواطنين المخنوقين من ضوضاء السيارات المزعجة، تقول بصوت عذب "ذات مرة قال لي سائق سيارة أجرة إن تلك الرسومات الجميلة كانت تخفف عنه وطأة اكتظاظ السيارات واختناق المرور، فلا بد أن نعمم هذه التجربة، لا أن نوقفها".

من جانبه يقول رئيس اتحاد الفنانين التشكيلين التونسيين وسام غرس الله للجزيرة نت إن الفنانين التشكيليين وطلبة الفنون الجميلة لن يتوقفوا عن الرسم إلا بعد الانتهاء من كل الجداريات، مشيرا إلى أن إزالة بعض اللوحات من وزارة التجهيز كانت بمثابة حافز جديد للعناية بفن الشارع وجمالية المدن.

ويضيف "ستكون هناك فضاءات أخرى عديدة بعد الانتهاء من هذا الجسر من شمال البلاد إلى جنوبها لإعادة الألوان والحياة والفرحة والسعادة مكان اللون الرمادي الحزين"، موضحا أن رئاسة الحكومة ووزارة الثقافة أبدتا تعاطفهما مع احتجاجات المجتمع المدني ردا على إزالة بعض الجداريات.

جاء المتطوعون وطلبة الفنون الجميلة والرسامون لإعادة الحياة إلى الجسور الرمادية من خلال ألوانهم (الجزيرة)
وكانت وزارة الشؤون الثقافية أعلنت عقب الجدل القائم حول طلاء ومحو أعمال فنية رسمها تشكيليون تونسيون وحتى عرب على أعمدة قنطرة شارع الجمهورية، أن رئاسة الحكومة قد دعتها إلى "استعادة أعمال المبدعين والاستغلال الأمثل لهذا الفضاء بما يستحقه من جمال وفن وتعبير عن حرية وتنوع".

وكانت وزارة التجهيز قد نشرت يوم 15 مارس/آذار الجاري بيانا بعد تصاعد الاحتجاجات ضدها زعمت فيه أن "إزالة الأعمال الفنية لم تطل إلا بعض الأعمال التي وقع تشويهها بالإعلانات وبكتابات تحمل كلاما بذيئا ومخلا بالحياء مما يعتبر شكلا من أشكال الاعتداء على الملك العمومي للطرقات".

لكن وسام غرس الله يقول للجزيرة نت إن وزارة التجهيز لا تفرق بين الكلام البذيء والأعمال الفنية التجريدية أو التشخيصية أو الجمالية أو التي توثق التاريخ، موضحا أن ما قمت به حركة أحادية شوهت الطريق المؤدية إلى مدينة الثقافة وقصر المؤتمرات ووسط العاصمة تونس.

المصدر : الجزيرة