إذاعة الماتلين بتونس تحطّم رقما قياسيا وغينيس تعترف

توحّدت صفوف الأهالي وشباب الماتلين خلف هدف موحد وهو رفع راية وطنهم والتعريف بمنطقتهم وتنشيطها بطريقة استثنائية (الجزيرة)
توحّدت صفوف الأهالي وشباب الماتلين خلف هدف موحد وهو رفع راية وطنهم والتعريف بمنطقتهم وتنشيطها بطريقة استثنائية (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-بنزرت

لا توحي عقارب الساعة المتوقفة في الميدان الذي يتوسط قرية الماتلين (شمالي تونس) بنسق حياتي حثيث، إحساس زاده ترسيخا خلو الشوارع إلا من بعض المارة وساكني هذا الركن الأندلسي، ملجأ الموريسكيين المتكأ بين البحر المتوسط وجبال وغابات محافظة بنزرت شمالي تونس.

ليس الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولكنه الهدوء الذي دفع بثلة من منشطي الإذاعة المحلية بالماتلين يشتعلون بعزم وطموح إلى رفع تحدي "اكسر الصمت وأسمع العالم"، وخاصة المهتمين بالأرقام القياسية، لتلتحق إذاعتهم بركب المدونة أسماؤها على صفحات موسوعة غينيس.
هدوء قرية الماتلين دفع منشطي الإذاعة لخوض تحدي كسر الصمت (الجزيرة)

بداية المغامرة
توحيد صفوف الأهالي وشباب الماتلين خلف هدف موحد كان أول الأهداف التي سعى بسام السهيلي وزملاؤه إلى تحقيقها، يقول إنه والفريق اتفقوا على جملة من المبادئ الأساسية المزمع تحقيقها برفع هذا التحدي، وهي رفع راية الوطن، والتعريف بمنطقتهم وتنشيطها بطريقة استثنائية.

أهداف معلنة وأخرى خفية وشت بها نظرات رباعي التنشيط الفائز، عيون لامعة ترنو للتألق والبروز وإظهار قدراتها المعنوية والفكرية على مجاراة نسق إذاعات دولية تدفعها محركات مالية وتقنية نفاثة مقارنة بهم، لا سيما وأن الرقم القياسي كان ملك إذاعة صوت الغد اللبنانية.

يضيف مدير دار الشباب بالماتلين محمد الهادي إدريس في هذا الصدد أنه وبمجرد طرح الفكرة عليه سعى لتأمين الإمكانيات التقنية لرفع هذا التحدي الطموح بالرجوع إلى وزارة الشباب والطفولة التونسية التي كانت بالأساس وراء بعث محطات "راديو واب" بكافة محافظات البلاد.

دامت دراسة ملف التحدي العالمي لإذاعة الماتلين قرابة تسعة أشهر من العمل والتخطيط الدقيق (الجزيرة)

"66 كيف"
اختيار تحدي تجاوز الـ66 ساعة من التنشيط الإذاعي المباشر والمتواصل لم يكن جزافيا، إذ اعتمد الرباعي المنشط على كلمة متداولة شعبيا وهي "66 كيف"، وهي تعبير شعبي تونسي صرف يعني قمة المزاج أو الانتشاء الفكري جراء موقف أو حكاية بطولية تتسم بالغرابة نوعا ما.

للتذكير فإن إذاعة راديو واب الماتلين دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية لأطول حصة تنشيط إذاعي مباشر ومتواصل بتجاوزها الـ61 ساعة التي حققتها إذاعة صوت الغد اللبنانية، وذلك بتحقيق رقم عالمي جديد أعلن عنه يوم 28 يناير/كانون الثاني 2019 وقد تجاوز الـ66 ساعة.

تخطيط دقيق
لم يكن القائمون على موسوعة غينيس ليغفلوا عن أدق تفاصيل التحدي الذي رفعه هؤلاء الشبان التونسيون، إذ بمجرد الموافقة حتى تتالت الشروط التقنية واللوجستية والبشرية التي لم تفاجئ الفريق الإذاعي، حسب قول الآنسة سيرين البحري المذيعة الفائزة ضمن رباعي التحدي العالمي.

تضيف ليلى الناوي (مذيعة فائزة ومديرة الإذاعة) أن من بين الشروط "عدم ترك مساحة صمت تتجاوز العشر ثوان، ولنا أن نتصور البقية"، وأن عملية التدقيق تتم عبر فيديوهات وتسجيلات صوتية وصور آنية للعداد الزمني، ولدخول وخروج فريق المراقبين الذي يتغير كل ساعتين.

إحدى شروط التحدي كانت عدم ترك مساحة صمت تتجاوز العشر ثوان (الجزيرة)

دامت تحضيرات البرمجة أربعة أشهر، ولم يكن الأمر يسيرا، حسب بسام السهيلي، فالتخطيط لهذا الحيز الزمني الكبير بفضل وحدة الفريق والأفكار المبتكرة التي صاغها المذيعون لدليل برمجة تجاوز الـ180 صفحة، يسرد تفاصيل هذه المغامرة الإنسانية لحظة بلحظة لثلاثة أيام تقريبا.

تفاعل محلي كبير
كان للأهالي البسطاء دور كبير في شحذ همم المذيعين، إذ بمجرد انطلاق التحدي حتى امتلأ بهو دار الشباب بالماتلين بالأهالي الذين يتداولون على خدمة الفريق بهبّة شعبية جعلت أجواء البث المباشر أكثر دفئا وحميمية، ويتذكر السيد إدريس العديد من مواقف أمهات القرية، فتدمع عيناه تأثرا.

انهالت أطباق الطعام على الفريق من كل البيوت، فريق طبي مرابط، سيارة إسعاف وسائق لم يبرح المكان طيلة مدة التحدي، تجار وشباب قدموا هدايا وجوائز من مالهم الخاص قصد تنشيط الفقرات، دون أي خلفيات دعائية أو تسويقية، بل كانت عفوية الأهالي سيدة الموقف.

يتذكر بسام فريق المدلكين والمدلكات الذين تداولوا طوعا في الـ24 ساعة الأخيرة على تدليكهم أثناء البث المباشر منعا لأي تعقيدات صحية قد تنجم عن قلة الحركة لمدة طويلة، مضيفا أنهم اتبعوا حمية غذائية خاصة للتقليل من خطر الموت المفاجئ عند تجاوز الـ48 ساعة دون نوم.

لقي شباب إذاعة الماتلين تفاعلا كبيرا ودعما من قبل ذويهم (الجزيرة)

وتضيف سيرين ضاحكة أنها لن تنسى أبدا اضطرار الطبيب لحقنها في الذراع كي لا تنهار من التعب، وكيف كتمت خوفها من الحقن أمام تسلسل الحوار والتنشيط المباشر، بل أصرت على المواصلة حتى لا تمس من الروح المعنوية للفريق رغم الإرهاق الشديد والإعياء الجسماني.

انتظار فانتصار
بمجرد الإعلان عن انتهاء التحدي العالمي حتى عمت أجواء من الفرحة دار الشباب، حيث يوجد الأستوديو وازدحام البهو والساحة بالأهالي، وعلت زغاريد التونسيات إعلانا لانتصار أبناء المنطقة وأبناء الوطن في موكب احتفالي ضخم كسر السكون الذي طالما خيّم على القرية.

دامت دراسة ملف التحدي العالمي لإذاعة الماتلين قرابة التسعة أشهر، تخللتها العديد من التدقيقات التي تهم تفاصيل وجزئيات دقيقة للجانب التقني ومضمون البرمجة، طالبت بها مؤسسة غينيس للأرقام القياسية العالمية، توتر مشوب بالقلق خوفا من المفاجآت غير المتوقعة التي تهم الملف.

يهدف فريق الإذاعة بعد فوزهم في التحدي إلى تطوير إمكانيات إذاعتهم (الجزيرة)

لم ينتظر بسام وفريقه وقتا طويلا بعد الإعلان عن تتويجهم بالرقم القياسي العالمي الجديد، حتى يرفعوا تحديا جديدا سُجل بموسوعة غينيس في انتظار التحضير له وتنفيذه، التحدي موجه لإذاعة تينيسي الأميركية لتحقيق أكبر عدد من الحوارات الإذاعية في 24 ساعة.

طموحات
يبتعد فريق مذيعي الماتلين عن الطموحات الفردية، ليكون هدفهم تطوير إمكانيات إذاعتهم الصغيرة من حيث المساحة، والضخمة من حيث الإرادة والعزيمة، هم مثال لشباب تونس الذين لم يقعوا فريسة للانهزام والركون إلى السائد رغم السكون الذي يحيط بهم، ورغم الساعات المعطلة.

المصدر : الجزيرة