أسلوب مقاومة جديد.. إقبال غزي متزايد على تعلم العبرية

أسلوب مقاومة جديد.. إقبال غزي متزايد على تعلم العبرية

توجه الغزيين لتعلم العبرية إستراتيجية سلمية وأسلوب مقاومة مهم جدا في إدارة جوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (الجزيرة)
توجه الغزيين لتعلم العبرية إستراتيجية سلمية وأسلوب مقاومة مهم جدا في إدارة جوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (الجزيرة)

دعاء شاهين-غزة

"من تعلم لغة عدوه أمن مكره".. انطلاقا من هذه المقولة، بدأ يتزايد إقبال الغزيين تجاه تعلم اللغة العبرية التي ينطق بها محتلهم الإسرائيلي، لا سيما أنه كان مقتصرا فقط على العاملين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

وبين المقاعد الدراسية التابعة لأحد مراكز تعليم اللغة العبرية وترجمتها بقطاع غزة، كانت تجلس الشابة داليا حسام (22 عاما) وكلها آذان صاغية لما يشرحه مدربها من مترادفات عبرية مترجمة إلى العربية، بعدما أتقنت لفظها بشكل صحيح متخطية جميع التحديات أمامها.

تقول داليا -وهي خريجة إعلام جديد- "بعدما أنهيت دراستي الجامعية اتجهت إلى تعلم اللغة العبرية، مدركة تماما أهمية ذلك على الصعيد المهني والنضالي أيضا، وبدأت بالتعلم منذ ثلاثة أشهر واجتزت المرحلة المتقدمة".

وعن الدافع المباشر للالتحاق بالبرنامج التدريبي، تضيف داليا "لم أدرس أي مساق عبري في الجامعة رغم أنه مهم بالنسبة لطبيعة عملي كصحفية، فرغبتي الشديدة في متابعة الأحداث والأخبار العبرية من مصدرها الرئيسي لتكون لي دراية كاملة حول ما ينشره الاحتلال الإسرائيلي عنا كفلسطينيين خاصة وقت الحروب، دفعتني إلى تعلم لغته".

وتحتاج داليا إلى جلسات علاجية بين الفينة والأخرى في مشافي الداخل الفلسطيني المحتل، لذلك ترى أنها بحاجة قوية إلى التعمق في معرفة المجتمع الإسرائيلي ودراسة لغته.

وتمتلئ مراكز تعليم العبرية وترجمتها بالوافدين من كافة الشرائح الغزيّة من محامين وتجار وطلاب ومهندسين وإعلاميين وخبراء بالشأن السياسي والاقتصاد، في الوقت الذي تفتقر فيه المدارس والجامعات الفلسطينية إلى تعليمها أو دمجها في مناهجها الدراسية.

شغف
الشاب عبد المجيد (28 عاما)، مدرس تربية دينية، دفعه شغفه المتواصل بالاطلاع على ثقافات الشعوب وأديان المجتمعات والأسفار الخاصة بالديانة اليهودية، إلى تعلم لغتهم بعدما وجد نفسه أمام كم هائل من المعلومات الشيقة التي يتوجب عليه معرفتها بشكل دقيق، وذلك في سياق الحصول على دبلوم عبرية.

الجدير بالذكر أنه قبل قيام السلطة الفلسطينية عام 1994 كانت مدارس الضفة الغربية وقطاع غزة تخضع للإدارة المدنية الإسرائيلية، وكانت إسرائيل تفرض آنذاك تدريس اللغة العبرية في المدارس الفلسطينية كمادة أساسية، لكنها امتنعت عن ذلك. 

ومؤخرا عكفت على تجنيد اللغة العربية وفق سياساتها من خلال بث خطابات متنوعة -معظمها بلهجة فلسطينية- عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأشهرها منصة "إسرائيل تتكلم العربية" وصفحة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إضافة إلى أن إسرائيل تفرض تعليم العربية على طلابها في المدارس والجامعات. 

من جانبه رحّب أحمد الفليت الأسير المحرر ومدرب اللغة العبرية لدى مركز "نفحة" للدراسات الإسرائيلية والترجمة العبرية؛ بالإقبال الكبير على تعلم اللغة العبرية، وقال "كفلسطينيين مُحتلين لا نعرف عن المجتمع الإسرائيلي سوى القشور، ولدينا قراءة مغلوطة حول ما يترجم عربيا، والذي لا تتعدى نسبة صحته سوى 2%، وغالبا ما يتم التركيز فقط على الجانبين العسكري والأمني، رغم أن الجوانب الأخرى لا تقل أهمية".

وأضاف الفليت أن هناك معضلة في المؤسسة التعليمية، فهي لم تتخذ قرارا جديا يدمج مساقات العبرية لدى مؤسساتها التعليمية، رغم أنها أقرتها قبل سبع سنوات كمادة اختيارية وعادت إلى سحبها من المقررات التعليمية.

رسوم
وتبلغ الرسوم لدى المركز 600 دولار مقابل 140 ساعة تدريبية، بينما يتخرج منه سنويا قرابة 370 متدربا، منهم 70 يتقنون العبرية وترجمتها وأسسها بتفوق.

وتابع الفليت أن هناك إقبالا أيضا من قبل فئة الأطفال على تعلم العبرية، وفي تجربة هي الأولى من نوعها على مستوى غزة تم تخريج 20 طفلا بعدما تعلموا مبادئ اللغة العبرية.

وعن التحديات التي تواجههم، ذكر الفليت أن الوعي المجتمعي الغزي ما زال ينظر بنمطية تجاه من يتعلمون اللغة العبرية لكونها لغة العدو، مطالبا بضرورة توعية هذه الشريحة حول معرفتهم بلغة خصمهم، لتنطق غزة العبرية كما تنطق إسرائيل العربية.

إستراتيجية سلمية وأسلوب مقاومة
من جهته أكد المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإسرائيلية طلال عوكل أن توجه الغزيين إلى تعلم اللغة العبرية إستراتيجية سلمية وأسلوب مقاومة مهم جدا في إدارة جوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الطويل الأمد من جوانب ثقافية ومجتمعية وتاريخية، لا من جانب أمني عسكري فقط. 

وأكد عوكل أنه "من الضروري فهم لغة خصمنا الذي يقرأ لغتنا جيدا ويوجه رسائله لنا بالعربية الإسلامية للتأثير على الرأي العام، فنحن في المقابل علينا قراءة المجتمع الإسرائيلي ومخاطبته بلغته التي يفهمها ارتباطا بمركزية القضية الفلسطينية لتكوين خطاب بشكل فعلي لا كردة فعل".

ونبّه إلى ضرورة تقديم رسائل فلسطينية باللغة العبرية تخاطب الإسرائيليين كأفراد للتأثير عليهم نفسيا واجتماعيا بأداة مضادة لما تبثه أمامهم حكومتهم من أشكال للعنصرية ضد الفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة