"ديار زمان".. فضاء اكتشاف سحر التراث الغذائي لسيدي بوزيد بتونس

أسماء قراوي: راهنوا على فشلي لأني فتاة فنجحت (الجزيرة)
أسماء قراوي: راهنوا على فشلي لأني فتاة فنجحت (الجزيرة)

منيرة حجلاوي-سيدي بوزيد

يُعرف ديسمبر/كانون الأول في محافظة سيدي بوزيد وسط غربي تونس ببرودته القاسية، غير أنه صادف أن كان أحد أيامه يوم حظ أسماء قراوي بطقسه الربيعي وشمسه المشرقة، حتى تنصب بيوت الشعر (الخيام) بين أشجار الزيتون في ضيعة والدها لتبدأ نهارا جديدا من العمل في فضاء "ديار زمان" الذي يقدم كل أنواع الطعام التقليدي للمحافظة.

خلية نحل
تسارع أسماء إلى وضع المفروشات التقليدية من زرابيّ ومرقوم في أماكنها، وقد اختارتها بعناية شديدة، ثم تكمل لمساتها الفنية بتزيينها بأوان تراثية مصنوعة من الفخار وطاولات خشبية، قبل أن تتحول على جناح السرعة إلى مطبخها.

خلف ستار تقليدي الصنع، تعمل أسماء (28 عاما) رفقة بعض النسوة اللاتي تشغّلهن كخلية النحل وهن يعلمن جيدا أنه بحلول منتصف النهار سيتهاطل عليهن الزبائن من كل صوب وحدب طلبا للأكل، بعد ساعات طويلة ومضنية من العمل والدراسة.

تقدم أسماء قراوي لزبائنها قائمة متنوعة من التراث الغذائي لسيدي بوزيد على غرار الكسكسي بلحم الخروف والبركوكش وشوربة الشعير والكناف والكسرة (نوع من الخبز) وغيرها، وقد قررت التخصص في هذا المجال والاستمرار فيه.

أسماء تقدم أطباقا تقليدية متنوعة لحرفائها (الجزيرة)

روح جديدة
أضفت الفتاة الشابة التي تفيض حيوية ونشاطا روحا جديدة على المكان الذي كان فضاء للاستراحة يديره أشقاؤها الثلاثة فأغلقوه بعد فشل مشروعهم، فقررت تحويله من فضاء عادي لبيع جميع أنواع الأكل إلى نقطة استراحة تختص بكل ما هو تقليدي، وأطلقت عليه اسم "ديار زمان".

لم تكن بدايات أسماء سهلة وهي التي لم تكمل دراستها بعد فشلها في اجتياز اختبار شهادة الثانوية العامة، لكنها تحلت بالعزيمة وعملت في عدة وظائف في القطاعات الخاصة، حاملة معها فكرتها التي لم تتخل عنها حتى أثناء بقائها عاطلة عن العمل.

تحديات جمة
واجهت الفتاة منذ إعلانها عن فكرتها تحديات جمة، أبرزها عدم ثقة أسرتها في البداية في نجاحها وقدرتها كفتاة على إدارتها، إضافة إلى الصعوبات المادية، خاصة أنها قررت عدم الاقتراض من البنوك وبدأت كما تقول للجزيرة.نت بـ100 دينار (33 دولارا).

ضربت أسماء عرض الحائط بكل العراقيل ونظرات الشك التي تحيط بها من كل جانب، وانطلقت في فكرتها الحديثة الولادة يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2018، فوجدت تشجيعا من محيطها العائلي الذين تهافتوا على الفضاء لتجربة الأطعمة التي تقدمها خلال أول أسبوع لها في العمل كنوع من تقديم الدعم لها.

فتيات يستمتعن بالأكل في أحضان الطبيعة (الجزيرة)

ثقة فنجاح
ومع مرور الأيام نالت جودة الخدمات وخصوصية "ديار زمان" استحسان الزبائن وإعجابهم، خاصة مع تقديم بعض صفحات مجموعات من الشباب على فيسبوك الدعم لأسماء بالتعريف بمشروعها، مستغلين التأثير الإيجابي للفضاء الأزرق على المتلقي.

نالت الفتاة الطموحة ثقة زبائنها مما جعلها تفكر في تطوير مشروعها وابتكار أفكار جديدة لدعم هذه الثقة، فكانت سباقة إلى تنظيم حفلات أعياد الميلاد ولكن على الطريقة التقليدية لمحافظة سيدي بوزيد، فعوض تقديم قالب الحلوى تقدم أشهر أطباق المنطقة في الهواء الطلق.

كانت أولى تجاربها في تنظيم أعياد الميلاد ناجحة فأصبح الطلب عليها كثيفا، مما زاد من عزيمة أسماء ومن تحملها للمسؤولية في الآن ذاته، فهي تقف بنفسها على كل شيء، من إعداد المكان إلى الطبخ إلى خدمة زوار "ديار زمان".

مفروشات سيدي بوزيد التقليدية تزين فضاء "ديار زمان" (الجزيرة)

الإصرار والصبر
تفوقت أسماء على نفسها ونالت إعجاب حتى أولئك الذين راهنوا في البداية على فشلها لأنها فتاة، لكنها كما تؤكد للجزيرة نت آمنت بقدراتها وبألا شيء مستحيل مع حسن الظن بالله.

ترى الفتاة الشابة أن الإصرار على تخطي مختلف الصعوبات والتحلي بالصبر هما أساس نجاح أي شاب يرغب في تحقيق أحلامه، حتى وإن دفعته الظروف إلى عدم استكمال دراسته، وما عليه إلا البحث عن حلول بديلة والثقة في نفسه.

كما تؤمن أسماء بألا يأس مع الحياة، وأن الوصول إلى القمة يقتضي صعود السلم درجة درجة، دون حرق المراحل.

المصدر : الجزيرة