بالفيديو.. من نابليون إلى السترات الصفراء.. قوس النصر يروي إنجازات فرنسا وخيباتها

حفصة علمي ـ باريس

"سترجعون إلى البيت عبر أقواس النصر" هذا ما قاله نابوليون لجيوشه بعد معركة أوسترليتز عام 1806 التي شهدت الانتصار على القوات النمساوية والروسية. وعند عودته إلى باريس، أمر نابليون بتشييد قوس النصر تخليدا لهذه الذكرى.

وبالنظر إلى قيمة هذا القوس اليوم وملايين السياح الذين يأتون من كل أنحاء العالم لمشاهدته وأخذ صور أمامه، من الغريب معرفة أن 11 شخصا فقط حضروا حفل تدشينه عام 1836، وكان من بينهم الملك لويس فيليب.

وقد أمر بإنشائه إمبراطور، وانتهت أعمال بنائه على يد ملك، وهو الآن معلم أثري لجمهورية فرنسا. فما هي حكاية قوس النصر الباريسي؟

القوس الروماني تيتوس
كان هذا الصرح جزءا من أعمال البناء والتزيين التي شهدتها العاصمة الفرنسية حينذاك، وتم تشييده على الطريقة الرومانية العتيقة تلبية لرغبة الإمبراطور.

قوس النصر مقصد ملايين السياح (رويترز)

ويعتبر قوس تيتوس الذي بني في روما عام 82 ميلادي الأقدم في العالم، أنشأه الإمبراطور الروماني دوميتيان بعد وفاة شقيقه الأكبر تيتوس بفترة قصيرة لإحياء ذكرى انتصاراته التي كان من بينها الحصار المفروض على القدس عام 70 ميلادي.

وبذلك، فإن قوس تيتوس أصبح النموذج العام للعديد من الأقواس في العالم منذ القرن 16 وعلى رأسها قوس النصر في باريس.

جندي مجهول
وظهرت فكرة تكريم جندي مجهول باعتباره رمزا لكافة أولئك الذين سقطوا في ميدان الشرف عام 1916 أثناء الحرب العالمية الأولى.

وغداة هدنة 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 التي أعلنت انتهاء الحرب، قررت الجمعية الوطنية الفرنسية وضع جثة الجندي المجهول في مقبرة العظماء بباريس، أو ما يسمى البانثيون.

ووصلت جثة الجندي المجهول عام 1920 إلى قوس النصر بموكب مهيب، وتم دفنه أسفل القوس العام الموالي. وقام وزير الحرب أندريه ماجينو بإيقاد الشعلة التذكارية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1923 على القبر، ويتم إحياء هذه المراسم يوميا عند السادسة والنصف مساء بإشراف من منظمة "الشعلة".

قوس النصر نقطة التقاء عدد من الشوارع الرئيسية للعاصمة (رويترز)

كما نقشت على جدران القوسين أسماء المعارك والقادة الحربيين لفرنسا أثناء الثورة وفي عهد الإمبراطور. علما بأن العسكريين الذين وضع خط تحت أسمائهم قتلوا خلال المعارك.

وعلى الأرض، توجد كتابات تخلد أحداثا أخرى، كإعلان الجمهورية في 4 سبتمبر/أيلول 1870 وضم منطقة الألزاس واللورين مجددا إلى فرنسا عام 1918 ومظاهرات الطلاب عام 1940 المناهضة للاحتلال الألماني.

وسط نجمة..
أراد نابليون تشييد هذا الصرح في الأصل بموقع لاباستي، شرق باريس، وهو المكان الذي عاد منه جيشه، غير أنه اختيرت ساحة ليتوال آخر المطاف نظرا لوجودها بآخر شارع الشانزيليزيه، قبالة قصر التويلري، مقر إقامة الإمبراطور، بارتفاع خمسين مترا وعرض 45 مترا.

كانت الساحة خالية آنذاك نهاية المحور الذي رسمه أندريه لونوتر في القرن 17 كتمديد للممر المركزي لحديقة التويلري لكي يبدو وكأنه متصل بالأفق.

قوس النصر الموقع الأبرز لاحتفالات العام الجديد (الأناضول)

وتضمن مخطط الطرقات المنجز في القرن 17 ثمانية شوارع، غير أن التهيئة النهائية التي أمر بها البارون هوسمان (محافظ مقاطعة السين) رفعت عدد الشوارع إلى 12 شارعا. كما أخذت هذه الساحة اسم ساحة شارل ديغول عام 1980.

ويمكن من خلال الشرفة الموجودة أعلى القوس الاطلاع على الوضعية المميزة للقوس وسط ساحة ليتوال التي تعني النجمة. وقد أخذت هذه الساحة اسمها من طريقة تصميم الطرقات والشوارع المحيطة التي تتقاطع مع بعضها البعض.

نسخة مصغرة للقوس
أنشئ قوس "دو كاروسيل" بين عامي 1806 و1808، وتم تصميمه في الأصل كمدخل ضخم لقصر تويلري. ويقع غرب متحف اللوفر وقبالة الشانزيليزيه وقوس النصر في ليتوال.

يطلق عليه اسم القوس الأصغر لأن حجم قوس النصر ضعف دو كاروسيل، إذ يبلغ ارتفاعه 19 مترا وعرضه 23 مترا.

ويتميز تصميمه بعربات تجرها أربعة خيول أعلى القوس، ويطلق عليها "كوادريغا" التي كانت تستخدم قديما بالألعاب الأولمبية، وهي شعار للشهرة والانتصار.

محتجو السترات الصفراء استغلوا شهرة موقع قوس النصر (غيتي) 

أهم المناسبات الوطنية
شهد قوس النصر خلال فترة إنجازه من 1806 إلى 1836 عدة تغييرات نظرا للتقلبات السياسية وصراع النفود بين مختلف المهندسين المعماريين الذين أشرفوا على تشييده.

وقد أراد الملك لويس فيليب الأول -الذي وصل إلى الحكم عقب ثورة يوليو/تموز 1830- تخليد ماضيه العسكري في جيوش الثورة ومراعاة شعور أنصار الإمبراطورية في آن واحد.

وقد كان هذا الصرح شاهدا على أحداث وطنية كثيرة، مثل عودة رماد نابليون الأول عام 1840، والسهرة الجنائزية التي تلت مراسم دفن فيكتور هيغو، وأيضا استعراض قوات الحلفاء عام 1919 بعد انتصارها في الحرب العالمية الأولى.

ويشهد القوس اليوم أحداثا عديدة مثل أعياد رأس السنة والاحتفال بإنجازات منتخب كرة القدم، وآخرها التتويج بكأس العالم 2018. وكان في كثير من الأحيان وجهة متظاهري السترات الصفراء لما له من رموز ومعان وطنية وتحريرية ما يزال الشعب الفرنسي يؤمن بها حتى يومنا هذا.

المصدر : الجزيرة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة