السقايات التاريخية بالمغرب.. إرث عمراني يزين أزقة المدن

سقاية بأحد الدروب الضيقة بفاس العتيقة (الجزيرة)
سقاية بأحد الدروب الضيقة بفاس العتيقة (الجزيرة)

سناء القويطي-فاس

تتعالى أصوات طرقات الحرفيين على قطع النحاس بساحة الصفارين في مدينة فاس المغربية وهم يحولونها إلى أشكال مختلفة من الأواني، وتجذب هذه الساحة القديمة -التي تستمد اسمها من صناعة معدني النحاس والصُفر- الزوار والسياح فيقفوا منبهرين أمام مهارة وإتقان هؤلاء الحرفيين وما يعرضونه داخل محلاتهم من آنية ذات نقوش متميزة.

ولا تزال سقاية الصفارين التاريخية منتصبة في مكانها في مدخل لم يخف الإهمال والخراب اللذين طالا آثار الزخارف على لوحتها الحجرية، وبجوارها لوحة كبيرة تعلنها واحدة من المنشآت المعنية بمشروع ترميم ثلاثين سقاية تاريخية بفاس.

ويعود تاريخ إنشاء سقاية الصفارين إلى القرن 13 خلال العصر المريني، حيث نشط بناء السقايات، حتى أن المصادر التاريخية ذكرت أن السلطان أبا الحسن المريني حطم الرقم القياسي في بناء وتجهيز المغرب بالسقايات.

سقاية بالمدينة العتيقة للرباط بعد ترميمها (الجزيرة)

ترميم السقايات
تعد السقايات العمومية (يسميها أهل الشرق السبيل) جزءا من التراث المعماري المغربي، وشاهدة على إبداع وتميز الصانع التقليدي المغربي، وروعة فنون العمارة وعناية سلاطين الدول المتعاقبة على حكم المغرب ورجالاتها والمحسنين عبر بناء هذه المنشآت المائية بجوار المساجد والفنادق وداخل الأسواق والساحات.

ومن أشهر السقايات بفاس سقاية الصفارين والنجارين والقرويين والأندلس وسوق الحناء وسقاية الياسمين، التي عرفت بمائها العذب، وغيرها، وتخضع السقايات العمومية التاريخية لعملية ترميم واسعة بهدف إعادتها لصورتها الأولى وإحياء أدوارها في إرواء ظمأ العطشى، وتجاوز حالة الخراب التي آلت إليه.

ويقول مدير وكالة تنمية مدينة فاس فؤاد السرغيني للجزيرة نت إن الوكالة تعمل على ترميم 114 موقعا تاريخيا بالمدينة العتيقة، وتشمل العملية ثلاثين سقاية تاريخية في مرحلة أولى من بين سبعين توجد في فاس، ويضيف أنه تم الانتهاء من أعمال الإصلاح والترميم في 14 سقاية، ويتوقع انطلاق العمل في مرحلة ثانية لترميم أربعين سقاية تاريخية أخرى.

 سقاية مسجد الأندلس بُنيت في العصر الموحدي (الجزيرة)

ويوضح السرغيني أن أشغال الترميم ستعيد السقايات التاريخية كما كانت بنفس الزخرفة والأسلوب المعماري، وستتم إعادة ربطها بشبكة الماء لتزويد المارة والزوار في كل حي وسوق وزقاق بحاجتهم من ماء الشرب.

أدوار مهمة
وتشكل السقايات العمومية عنصرا أساسيا ضمن النسيج العمراني للمدن المغربية العتيقة، فلا تكاد تخلو مدينة من سقايات قديمة تحيل إلى أدوارها المهمة في إيصال الماء للسكان في البيوت والمساجد والمدارس، وإرواء عطش عابري السبيل والحرفيين والتجار وكل مرتادي الأماكن العمومية، والدواب أيضا.

ويصف أستاذ التاريخ والتراث بجامعة فاس موسى العوني الأسلوب المعماري للعاصمة العلمية للمملكة بالمتفرد، مشيرا في حديث مع الجزيرة نت إلى أن كل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب -من الأدارسة مرورا بالموحدين والمرابطين والمرينين، وصولا إلى العلويين- تركت فيها بصمتها المعمارية الرفيعة.

وبلغت المدينة أوجها العمراني في عصر الموحدين، وتكشف المصادر التاريخية عن أن مدينة فاس وحدها كانت تتوفر في تلك الفترة على ثمانين سقاية عمومية، تضاف إليها السقايات داخل ما تسمى دور الوضوء التي بلغ عددها 42 دورة.

ويميز العوني بين نوعين من السقايات العمومية: المرتبطة بالمباني مثل المساجد والفنادق، والأخرى المستقلة، ويقول إن اختيار مواقع هذه الأخيرة لم يكن عشوائيا، بل تم بعد دراسة وقراءة المجال، فبنيت في الأماكن التي تعرف توافد الناس، وتجمعات سكانية كبيرة؛ مثل الأبواب الكبرى للمدينة والأسواق والساحات.

قيمة معمارية
خلال تجواله بين أزقة ودروب المدن العتيقة للمغرب، يكتشف الزائر بساطة البنايات من الخارج، سواء المساكن أو المساجد أو المدارس أو الفنادق، لكن هذه البساطة الظاهرة تخفي جمالا وسحرا لا يُدركان إلا بعد تجاوز عتبات الأبواب.

داخل تلك البنايات ينبهر المرء بسحر الزليج التقليدي والنقوش على الجدران والرخام والزخارف على الجبس والخشب، غير أن الأمر مختلف بالنسبة للسقايات؛ فهي تعرض جمالها دون تحفظ ولا تخفيه خلف الأسوار.

 سقاية الصفارين بفاس يعود تاريخ بنائها إلى القرن 13 (الجزيرة)

ويقول موسى العوني إن السقايات تكشف جمال المدن العتيقة الداخلي وذوق سكانها القدامى وإبداع الفنانين، فكثير منها له قيمة معمارية وفنية كبيرة، مثل سقاية جامع الرصيف، وسقاية سوق الحناء التي تعطي لزوار المدينة فكرة عن الأسلوب الفني الذي يميزها، حيث يتمازج الزليج البلدي بألوانه المبهجة وأشكاله الهندسية المتنوعة بالنقش على الخشب وأصالة الرخام.

وتتكون السقايات من ثلاثة أقسام أساسية؛ يسمى الجزء الأسفل منها حوض السقاية، وهو عبارة عن حوض مستطيل يتجمع فيه الماء ومنه تشرب الدواب، والجزء الأوسط الصدرية يتكون من قوس أو ثلاثة أقواس، ويزين بقطع الزليج البلدي بأشكال هندسية متنوعة، والجزء الأعلى يسمى السقيفة، وغالبا تتشكل من قطع خشبية منقوشة أو قرمود، أو تزين بالرخام أو بالخط العربي.

 سقاية الياسمينة تعد جوهرة سقايات عدوة الأندلس بمدينة فاس العتيقة (الجزيرة)

ويشير موسى العوني إلى أن مكونات الزخرفة في السقايات العمومية تعكس الأسلوب الفني الموجود في مختلف العمائر الأخرى، وتكشف ما وصل إليه الفنانون والصناع التقليديون المغاربة من إتقان ودقة وإبداع.

وليست فاس وحدها من تسعى لإعادة روح وجمال السقايات التاريخية، بل تشمل الحال مدنا أخرى مثل الرباط ومراكش ومكناس وغيرها، وهي تراث وتاريخ يحكي علاقة الأجداد بالماء وزينة الأحياء القديمة التي تضفي عليها خصوصية وسحرا من الماضي.

المصدر : الجزيرة