أفران شفشاون التقليدية.. أكثر استدامة بتقنية الحمل الحراري

مريم التايدي-شفشاون

كانا يلهوان بقطعة خبز ساخن ويلعبان أمام باب الفرن، أحمد يكبر ندى قليلا لذا تراه حريصا على العناية بها والانتباه إليها. بين الفينة والأخرى تطل أمهما من فرن قديم بمدينة شفشاون العتيقة (شمالي المغرب) للاطمئنان عليهما. تعمل رحمة مع زوجها جواد في فرن سيدي بلحسن على إعداد الخبز وبعض الحلوى.

وفرن سيدي بلحسن التقليدي تأسس ضمن الخلية الأولى لمدينة شفشاون سنة1471 ميلادية، ويعتبر واحدا من المعالم التي تحفظ ذاكرة المدينة، ولا يزال يعتمد على الحطب مادةً أولية للطهو، وهو واحد من الأفران التي اعتمدت تجربة التخفيف من انبعاث الغازات الدفيئة عن طريق خفض استهلاك الحطب باستعمال نمط الحمل الحراري.

ترميم وحفظ
في حفرة أمام بيت النار، يتابع جواد العمل بسلاسة، فقد خبِر مهنته لأزيد من ربع قرن، يُدخل الخبز المعد للفرن ويقلّبه حتى يستوي طازجا، قبل أن يسلمه لشاب صغير يوزعه على المطاعم قبل أن يبرد.

يشرح جواد كيف خضع الفرن للترميم، سواء بيت النار أو المدخنة، من طرف مشروع اقترحته جمعية "تلاسمطان للبيئة والتنمية "بشراكة مع الجماعة الحضرية لشفشاون وكتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، مما مكّن من حفظ الفرن والحفاظ عليه ورفع مستوى إنتاجيته.

يوضح رئيس جمعية "تلاسمطان" عبد الإله التازي للجزيرة نت أن الأفران التقليدية واحدة من مميزات البنية المعمارية لشفشاون، حيث تحفظ الهندسة الأندلسية وتختزن الموروث الثقافي للمدينة. ويؤكد التازي من أمام فرن سيدي بلحسن أن عملية الترميم راعت الحفاظ على بنية الأفران وتوفير الخدمات المعتادة.

ولا تزال ساكنة شفشاون تعتمد بنسبة كبيرة على الأفران التقليدية لطهو الخبز، وحتى طهو بعض الأكلات الشعبية مثل "تاكرا" وصينية السمك وشَيّ الفلفل أو البطاطس الحلوة.

كان بالمدينة العتيقة حوالي 18 فرنا من تلك الأفران التي تعمل بالحطب، لم يبق منها إلا ستة نشطة. رغم ذلك فإن الكثير من زوار المدينة التي تعرف تدفقا للسياح من مختلف المدن المغربية ومن أنحاء العالم، يفضلون خبزها الطازج، المطهو بالحطب، مما يجعل الكثير من المطاعم زبونا للأفران التقليدية.

نجاعة طاقية
يوضح جواد دون أن يتوقف عن عمله الروتيني بالفرن، كيف أن ترميم الفرن عبر جمعية "تلاسمطان" أفاده كثيرا من ناحية خفض استهلاك الحطب، حيث نقصت الكمية التي كان يستعملها إلى نحو النصف. ويقول جواد "نفعنا كثيرا، أصبح الفرن يحتفظ بالحرارة وتحسّن عملنا".

يقول عبد الإله التازي إن الترميم يقوم على مبدأ الحمل الحراري حيث تم استعمال نوع من الأجور يخزن الحرارة (حتى 1700 درجة)، ويعطي مدة أطول لطهو الخبز، بالإضافة إلى العزل الحراري لغرفة الطهو بطريقة تسمح بحفظ الحرارة داخلها لمدة أطول وتمنع من هدر الطاقة.

والأجور المستعمل مصنوع من الفيرميكوليت والمعادن الطبيعية ذات خصائص العزل، والإسمنت المنصهر والملاط المضاد للحريق، ولديه القدرة على الاحتفاظ بالحرارة واستعادتها ببطء، وهذا ما يسمى ظاهرة الحمل الحراري، كما أن لديه قوة عازلة قوية، وتم استعمال طبقة من الملح الصخري على طول الفرن وتم تغيير باب الفرن وتركيب باب معدني مزدوج مصنوع من معدن مقاوم للحرارة.

وحسب دراسة قامت بها الجمعية، فإن فرن سيدي بلحسن كان متوسط استهلاكه للحطب هو 0.73 كلغ لكيلوغرام واحد من الخبز، ومتوسط استهلاكه للحطب في السنة هو 11 ألفا و160 كيلوغراما، أي أكثر من 11 طنا من الحطب في السنة، مما كان يؤدي إلى انبعاث 17 طنا من غاز ثاني أكسيد الكربون في السنة.

وبعد الترميم وإعادة بناء بيت النار تم تسجيل 0.47 كلغ من الحطب المستهلك لكيلوغرام واحد من الخبز في اليوم، أي بانخفاض بنسبة 35% من استهلاك الحطب، وبالتالي انخفاض بمقدار 6 أطنان في كمية ثاني أوكسيد الكربون في السنة.

أهداف مستدامة
تشتغل اليوم بنظام الحمل الحراري لتقليص الغازات الدفيئة ثلاثة أفران بالمدينة العتيقة لشفشاون، وتطمح الجمعية إلى تعميم هذا النموذج ليشمل الأفران التقليدية في كل المدن المغربية العتيقة وكذا الحمامات التي تعتمد على الحطب.

ويوضح عبد الإله التازي أن المشروع له أهداف مستدامة تشمل الجانب البيئي تحديدا والاجتماعي والاقتصادي، بحيث يقلل من استعمال الحطب وبالتالي يقلل من الغازات الدفيئة وفي الوقت نفسه يقلل من الكلفة، مما يساهم في تحسين عيش أصحاب الأفران وتحسين ظروف اشتغالها.

ويتابع التازي أن المشروع يهدف إلى الإسهام في تطوير السياحة، إذ إن الأفران التقليدية تدخل ضمن مسارات سياحية، كما أن الترميم يساهم في تثمين الموروث المادي للبنايات التي كانت متدهورة جدا.

يذكر أنه بعد تأهيل وترميم الأفران تم تكوين جمعية تضم أرباب الأفران التقليدية بالمدينة القديمة لشفشاون من أجل تمكينهم من الدفاع عن مصالحهم والبحث عن شراكات والاستفادة من الدعم العمومي من خلال المبادرات الوطنية ومقترحات المشاريع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

رغم صغر حجمها وحصار جبال الريف لها أكدت مدينة شفشاون المغربية حضورها في الماضي والحاضر في كل من المغرب وإسبانيا. وإذا كان الحضور في الماضي قد تجلى في الجهاد والإمارة فإن الحضور الحالي عبر عن نفسه في العبارة والإشارة.

يهدف مهرجان التراث الجبلي بمدينة شفشاون المغربية لتثمين وصيانة لون المنطقة التراثي، الشامل للباس والأهازيج والعيوع والرقصات والأدوات الموسيقية واللون الغنائي الخاص، وذلك عبر تشجيع رواد هذا الفن وتكريمهم ودعمهم.

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة