الجزائري الصادق سنوسي.. من عامل إلى عالم فيزياء

الصادق سنوسي (81 عاما) أمام أطلال البيت العائلي يستحضر ذكريات طفولة تعيسة زمن الاحتلال الفرنسي (الجزيرة)
الصادق سنوسي (81 عاما) أمام أطلال البيت العائلي يستحضر ذكريات طفولة تعيسة زمن الاحتلال الفرنسي (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

"إن مسيرته من طفولته الصحراوية إلى تقلده رتبة باحث مرورا بتجاربه كمهاجر وتلميذ مداوم على دروس محو الأمية تستحق أن تروى.. فما هو المحرك وراء هذه المسيرة الاستثنائية؟"، هذا ما كتبه ألبير فيرت الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 2007 عن قصة عالم الفيزياء الجزائري الصادق سنوسي.

طفولة قاسية
الصادق سنوسي هو ابن قرية صغيرة تسمى "ليانة" في الجنوب الجزائري على بعد حوالي 500 كلم عن العاصمة وعلى سفوح جبال الأوراس، لا يحتفظ إلا بذكريات سيئة عن مسقط رأسه، حيث الأوجاع المزمنة والعطش والجوع والملل والأعمال الشاقة، فقدكان يتعين عليه باعتباره الأكبر سنا لدى العائلة أن يتكفل بجلب الماء مرات عدة في اليوم بواسطة دلوين حديدين يكادان يفصلان ذراعه عن كتفه بسبب ثقلهما وفق شهادته في مذكراته الصادرة مؤخرا.

كانت حياة القرويين شديدة القسوة تحت الاستعمار الفرنسي، وكل ما أتيح للطفل الصادق وقتها هو حفظ ما تيسر من القرآن الكريم، قبل الانتساب إلى المدرسة الفرنسية في القرية لمدة سنة وبضعة أشهر، قبل أن تغلق أبوابها بعد اندلاع الثورة.

هجرة بلا زاد
انتقل الصادق في خضم حرب التحرير التي شهدت فيها بلاده أوسع موجة هجرة نحو فرنسا (يوليو/تموز 1957) إلى مرسيليا وعمره 19 سنة، ونزل فيها دون زاد سوى سور قرآنية حفظها في طفولته التعيسة، وثلاث سنوات خبرة في بعض الأعمال البسيطة.

الصادق سنوسي (واقفا في الترتيب الثاني من اليسار إلى اليمين) خلال الدورة التأهيلية في حرفة البناء بباريس (الجزيرة)

واشتغل خلال ثلاثة أشهر عاملا بسيطا في ورشات البناء بالمدينة لكن بحلول الشتاء وجد نفسه عاطلا عن العمل بسبب سوء الأحوال الجوية، وقرر الرحيل إلى منطقة باريس حيث التحق بدورة للتعليم المهني، وتم توجيهه للتدريب كبنّاء بسبب ضعفه الشديد في اللغة الفرنسية بدل مهنة تقني في الكهرباء أو سباك مثلما حلم بذلك.

وحصل على أول شهادة رسمية كبنّاء في يونيو/حزيران 1958 -وهي المهنة ذاتها التي عمل فيها أبوه- وهو ما كان يرفضه منذ البداية، غير أنه بدأ في هذه الفترة قراءة الصحف بصعوبة لتكون مدرسته في تعلم الحروف وخطوته الأولى نحو المعرفة، فراوده الحنين لها حتى والمعول أو المجرفة في يديه بالورشة أو الشارع.

ووجد الصادق نفسه بعد 18 شهرا عاطلا عن العمل مجددا بسبب الأحوال الجوية، لكن هذه المرة استغل الفرصة لمتابعة دروس محو الأمية الخيرية على يد متطوعين من المسيحيين اليساريين.

شهادات تتوالى
في مارس/آذار 1960 حصل الصادق على شهادة التعليم الابتدائي للكبار من مدرسة ابتدائية بشارع القديس أندري للفنون، ثم شهادة التعليم المتوسط سنة 1961.

الصادق السنوسي خلال تقديم محاضرة متخصصة لطلاب الدراسات العليا بفرنسا (الجزيرة)

وكبرت أحلام الصادق وصار هدفه هو القسم الأول من شهادة البكالوريا المعاصرة، غير أن وضعيته بدت أكثر تعقيدا بسبب توقفه عن العمل فجأة نتيجة عودة ظهور مرض استوائي جلبه معه من الجزائر ليسقط في هذه السنة مصابا بمرض مجهول.

وقرر الصادق مكرها متابعة دروسه وبرنامج البكالوريا عن طريق المراسلة بالتوازي مع مواصلة العمل في ورش البناء حتى حصل على القسم الأول من البكالوريا في الشعبة العصرية سنة 1962، قبل أن تنفتح الأفاق أمامه من سنة إلى أخرى على امتداد الأعوام التالية.

حظ الإرادة
ابتسم الحظ لإرادة الصادق وحصل على منحة في إطار مخطط الجنرال ديغول لتطوير الجزائر اقتصاديا، وهو ما جعله يظفر في يونيو/حزيران 1963 بشهادة البكالوريا الأساسية في الرياضيات بالتوازي مع نجاحه في مسابقة الدخول لمدرسة المهندسين للراديو والكهرباء لكنه اختار الالتحاق بالجامعة.

وحصل في سنة واحدة على شهادة الرياضيات العامة والفيزياء في السوربون، ثم أكمل شهادة التأهيل في جامعة جوسيو بباريس، وذلك في ظرف 10 سنوات منذ وطئت قدماه فرنسا.

وسجل في العام التالي لنيل شهادة الدراسات المعمقة في فيزياء المواد الصلبة في جامعة باريس الجنوبية ذات الشهرة الكبرى ليدخل في 1971 المركز الوطني للبحث العلمي، بعدما تمخضت أعماله الأولى عن رخصة اختراع في "لانفار" (L’ANVAR) عن "تصفية السرعات للإلكترونات في الميكروسكوب الإلكتروني والجسيمي الذري".

السنوسي مع مجموعة من زملائه في مخبتر المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا (الجزيرة)

وبعد سنوات ناقش أطروحة الدكتوراه في الفيزياء، قبل أن يُرقى سنة 1988 إلى منصب مدير بحث في المركز الفرنسي نفسه، في حين كان عدد ضئيل من الباحثين يحق لهم الحصول على هذه الرتبة بعد اجتيازهم الكثير من الحواجز الانتقائية.

تجربة عالم
ذاع صيت الصادق عالميا، وتمت دعوته من بلدان عديدة إلى مؤتمرات دولية لرفع من مستوى الباحثين، كما أصبح خبيرا لدى مجلات عدة ذات سمعة في الفيزياء، علاوة على اختياره للتحكيم بين المتقدمين للاختبار.

وبعد مسار استثنائي بكل المقاييس تقاعد الصادق سنة 2007، وقال في تصريح للجزيرة نت إن مفاتيح النجاح وفق تجربته الخاصة هي الإرادة المستمرة في التعلم، و"الاقتناع غير المعقول بأنني أستطيع فعل ذلك بصرف النظر عن ذكائي العلمي في حد ذاته".

المصدر : الجزيرة