سكانها يولدون "فنانين" بالفطرة.. شاهد قرية تونس العجيبة في مصر

من يزور قرية تونس بمحافظة الفيوم المصرية سيعتقد لوهلة أنه يقف وسط لوحة فنية معلقة على ضفاف بحيرة قارون مكسوة بخضرة خلابة ومحاطة بجبال تزيدها روعة تحوّل شوارعها إلى معارض فنية.

هي القرية الفنانة التي يولد أبناؤها بفطرة فنية نادرة، تقع على بعد 80 كيلومترا جنوبي غرب العاصمة القاهرة تزدحم بالعديد من الفنانين ممن برعوا في فنون الخزف والفخار والرسم والنقش على النحاس، رغم صغر حجمها.

فن الأنامل الصغيرة
أول ما يلفت نظر المارة بتلك الشوارع الفنية هو ذلك الطفل الصغير الذي لم يتجاوز عمره عشرة أعوام جالسا على كرسي خشبي وبعينيه الثاقبتين يركز على قطعة من الطين بين يديه الصغيرتين.

تشكل أنامله الصغيرة كتلة من الطين في حين تحرك قدماه الصغيرتان "الدولاب" ليلف القرص وينتهي من تشكيلها ويحولها إلى قطعة فنية، كل ذلك يتم بسرعة وخفة ومهارة عالية، مما يجعل الزوار والسياح المتوافدين على القرية من داخل البلاد أو خارجها لا يفوتون فرصة الوقوف أمام ذلك الطفل.

معروضات فنية متنوعة في القرية (الأناضول)

نحت الجمال
لم تنته دهشة الجميع من مشاهدة ذلك الطفل إلا ويأسر عيونهم فنان آخر في الثلاثين من عمره يجلس وأمامه منضدة تعرض العديد من أعماله الفنية وطبق نحاسي وبين يديه مطرقة وآلة حادة تشبه المسمار.

ويرفع مطرقته على إيقاع منتظم ليعيش بين عالم الخطوط، وبعدما ينتهي تخرج من بين يديه قطعة فنية مزينة برسوم أندلسية وخطوط فن إسلامي رائعة، ويقول "حين أبدأ في الرسم على النحاس أنسى العالم بما فيه وأعيش بين تلك التشعبات من الخطوط والأشكال التي تترجمها يدي بالرسم على قطعة النحاس التي بين أصابعي".

لوحات طبيعية
على بعد أمتار قليلة يجلس الشاب الثلاثيني أيمن المعبداوي بين العشرات من اللوحات الفنية التي رسمها لمناظر طبيعية بمحافظة الفيوم، وتجسد بعض الصور حياة الفلاحين والبدو في القرى المختلفة والحياة في مصر القديمة، في حين ينتشر حوله العشرات من الزوار الذين حرصوا على شراء بعض اللوحات الفنية منه.

ويقول إنه حاول ترجمة تلك الطبيعة الساحرة بالمناطق المختلفة بالفيوم، مثل وادي الريان وبحيرة قارون وقرية تونس وغيرها على الورق، وإن كثيرين لا يصدقون أن شخصا نشأ في قرية نائية يرسم تلك اللوحات الرائعة.

وتقدم القرية الصغيرة المساحة البهجة والمتعة لجميع الأعمار، فالأطفال يلهون ويلعبون في الهواء الطلق ويختبئون وسط الأشجار وآخرون يتسابقون بالدراجات، بينما تجلس مجموعة أخرى داخل مركز الفيوم للفنون لتعلم الرسم، كما يجد الكبار أكثر من وسيلة للترفيه عن أنفسهم.

القرية الفنانة
بدأت مظاهر الفلكلور والفنون التي زينت القرية منذ عشرة أعوام حينما قررت محافظة الفيوم تنظيم مهرجان للقرية وعروض حية بالشوارع خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، بعدما ذاع صيت القرية وتوافد عليها السياح بسبب خزافة سويسرية كانت نقطة تحول تلك القرية الصغيرة إلى العالمية.

وكانت قرية تونس في الستينيات قرية هادئة لا يقطن بها سوى عدد ضئيل من السكان، ولم تكن بها أي من الخدمات ولا حتى الكهرباء، غير أن المصادفة كانت سببا رئيسيا في تحويلها إلى قرية مشهورة يتوافد عليها السياح من جميع أنحاء العالم حينما كان يزور الشاعر المصري الراحل سيد حجاب وزوجته الخزافة السويسرية إيفلين بيوريه بحيرة قارون للاستمتاع بالطبيعة التي كانا مولعين بها.

 القرية فضاء واسع للحرف المختلفة (الأناضول)

وشاهد الشاعر وزوجته القرية على ضفاف البحيرة وفيها الكثير من الخضرة وتحيطها الجبال فدخلاها وأعجبتهما كثيرا، فقررا شراء قطعة أرض وبناء منزل عليها على الطراز النوبي بالقرية وانتقلا للعيش فيها.

وبينما كانت تتجول بالقرية، وجدت أطفالا يصنعون ألعابا من الطين المخلوط بالتبن، فقررت مزج خبرتها ودراستها في الفنون التطبيقية بفطرة هؤلاء الأطفال لتحويلها إلى حرفة وأنشأت مدرسة لتعليم صناعة الخزف والفخار، وبدأت تدريب أطفال القرية فيها.

وقررت إيفلين دعوة الكثير من الأجانب إلى القرية بالإضافة إلى العديد من الفنانين لتصبح "القرية الفنانة" حكاية كل الأزمان.

المصدر : وكالة الأناضول