عائلة الجبل.. عشاق الطبيعة ورواد السياحة الداخلية في الجزائر

مشاركون في مبادرة "عائلة الجبل" في لقاء توجيهي لتوزيع المهام قبل بدء حملة التشجير (الجزيرة)
مشاركون في مبادرة "عائلة الجبل" في لقاء توجيهي لتوزيع المهام قبل بدء حملة التشجير (الجزيرة)

 عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

كانوا يلتقون دوريا في الهواء الطلق منذ ثلاث سنوات، يجمعهم حب الطبيعة والاستكشاف عبر أنشطة في مختلف مناطق الوطن، غير أن تطور علاقاتهم الاجتماعية التي بدأت افتراضية في عمومها وتعارفهم الواقعي حول الفكرة عند عشرة جوالة جزائريين إلى فضاء مشترك من مختلف الأطياف والأعمار؛ ساوى بين إطارات الدولة والطلبة والموظفين والمتقاعدين، وضمّ الأفراد والأزواج وأطفالهم.

ومع تزايد عدد هؤلاء الجوالة، الذي صار اليوم بالمئات، وتعدد تحركاتهم في أحضان الطبيعة، كان عليهم تنظيم أنفسهم في صورة جمعية معتمدة أو مجموعات مستقلة، فاختاروا أن تكون "عائلة الجبل" السقف الذي يضمهم جميعا، وأصبح لها ممثلون في كل منطقة، يشكلون هيئة وطنية للجمعية.

 مشاركون في حملة تشجير يتكبدون مشاق الصعود لأعالي جبال جرجرة على علو كبير من سطح البحر (الجزيرة)

ردّ الجميل
نشأت فكرة تشجير الغابات كرد جميل للطبيعة من أعضاء الجمعية بعد الحرائق الواسعة التي شهدتها غابات جزائرية الصيف الماضي، وأدت إلى دمار وتلف مساحة واسعة من الغطاء النباتي والحيواني.

ونظمت جمعية "عائلة الجبل" حملات تطوعيّة في خمس مناطق على مستوى البلاد، حسب درجة تضررها من الحرائق، وشملت غابات المداد بولاية تيسمسيلتو جرجرة بولاية البويرة، وجعافرة بولاية برج بوعرريج، والشيلية بولاية باتنة، والقلّ بولاية سكيكدة، ناهيك عن خرجات لاستكشاف مختلف جهات الجزائر.

وشارك في الحملة نحو ثلاثمئة جوّال توافدوا من كل الفجاج العميقة للبلاد، ومن بريطانيا وأميركا، للإسهام فيها، ورغم صعوبة الوصول لمكان التخييم وتضاريسه وطرقه الوعرة؛ تزامنت الرحلة مع جوّ ممطر وبارد في تلك الأعالي الشاهقة عن سطح البحر.

وحظي المشاركون في الحملة بحفاوة استقبال كبيرة من سكان قرية إيغزر إيواقوران التي تكفل رجالها ونساؤها وشبابها وأطفالها بكل عمليات الإمداد والتموين والإطعام وحتى الحراسة.

وفي المقابل، تبرمج عائلة الجبل عدّة خرجات شهرية خلال الأشهر المقبلة لتعميم حملات التشجير والتنظيف في ولايات بومرداس وجبال جرجرة والأطلس البليدي وشرق البلاد، وغرس أشجار مثمرة لصالح ضحايا الحرائق.

مشاركة فعالة من المرأة في مبادرات أنشطة عائلة الجبل (الجزيرة)

حب الطبيعة
وأكد الطالب الجامعي بمعهد الأشغال العمومية سيد أحمد زبيري أن الحملة منحته فرصة المشاركة في حماية الطبيعة، ووفرت له تجربة فريدة للاحتكاك بالأدمغة المهاجرة وفئة الشباب؛ مما ساعده على تعلم قواعد جديدة في الحياة.

وقال الباحث الجامعي مختار قيسوس إنّ الذهب الأخضر الجزائري (الغابات) في وضعية خطيرة جدا بسبب عمليات قطع الأشجار غير القانونية والحرائق وتغير المناخ، واعتبر مبادرات عائلة الجبل إحياء للطبيعة وزراعة للأمل.

وأضاف أن الجمعية نجحت في توعية المواطنين بضرورة الاهتمام بحماية محيطهم، ودفعتهم للانخراط في التطوع البيئي من دون رعاية رسمية أو مدنية، وإنما ضمن التجمع الأخوي من أجل الجزائر.

واعتبر أستاذ التربية والتعليم عبد الحكيم قمراوي أنّ جمعية عائلة الجبل تجسد حب الوطن والطبيعة، وتهدف إلى تطوير السياحة من خلال استغلال المقومات التي تزخر بها الجزائر، وجعلها في خدمة المواطن.

وتحدث بسعادة غامرة عن شعوره الخاص، وقال "الأجواء كانت عائلية بأتم معنى الكلمة، وتجسدت فيها أبعاد العائلة الكبيرة من خلال التعاون والتكافل والكرم، بحضور جوالة من 26 ولاية تمثل ربوع الوطن".

التعايش
وكشف حكيم فراطسة في حديثه عن البرنامج المستقبلي في أجندة الجوالة، حيث يعملون حاليا على وضع بطاقة فنية وإنشاء دليل سياحي لمختلف المسالك الجبلية في الجزائر بهدف تطوير السياحة الجبليّة.

وأوضح للجزيرة نت أنّ الجمعية تسعى إلى تصنيف القرى الأثرية كقرى سياحية عبر إحياء التقاليد الوطنية حسب كل منطقة في إطار المحافظة على التراث الوطني، وكشف عن أن الجمعية تشجع على استغلال الغطاء النباتي والحيواني في البحوث العلمية والدراسات الجامعية من خلال استقطاب الطلبة، واستحداث دليل وطني لمختلف النباتات والحيوانات المتواجدة في غابات الجزائر. 

 صعوبة المسالك تفرض على الجوالة استخدام الحيوانات في نقل العتاد والمؤونة (الجزيرة)

وشدد على السعي الحثيث لتوعية المواطن بأهمية الحفاظ على الغابات لاستقرار المناخ بواسطة التخييم الجبلي وتنظيم الرحلات الطلابية والمدرسية، وأكد أن المبادرة في عمقها لا تقتصر على فلسفة البيئة والطبيعة بل تنطوي على بعد وطني أساسي.

وأوضح أن هذا المبدأ يتمثل في إرساء مبدأ التعايش السلمي بين مختلف أطياف المجتمع، وتحفيز التبادل الثقافي من أجل التعريف بمقدرات الجزائر السياحية محليا ودوليا، والعمل على جلب العملة الصعبة كمصدر مهم من موارد الدخل القومي. وقال إن تشجيع السياحة الجبلية بالقدر المطلوب عامل مهم في استقرار سكان المناطق الجبلية، وتوفير فرص شغل دائمة وموسمية لهم.

المصدر : الجزيرة