صناعة مزدهرة.. روائح العطور تفوح في إدلب رغم الحرب

ينتشر في إدلب 250 محلا لبيع العطور (الجزيرة)
ينتشر في إدلب 250 محلا لبيع العطور (الجزيرة)

سيلا الوافي-إدلب

لم تندثر مهنة تصنيع العطور في محافظة إدلب المحررة رغم كل ما مرت به، بل ازدادت هذه المحلات التي لم تكتف باستيراد العطور وإنما قامت بتركيبها ضمن الإمكانات المتاحة بوصفها ضرورة حياتية تؤثر على نفسية الإنسان.

وينتشر في مدينة إدلب 250 محلا و150 نوعا من العطور، لكل منها خاصيتها المميزة وزبائنها المختلفون، غير أن القليل منهم من يملك مفاتيح هذه المهنة التي يدخل في تركيبها مواد كيميائية مثل الميثانول والإيثانول اللتين تعتبران مادتان خطيرتا الاستعمال إن لم يكن العامل بهما على علم ودراية بكيفية استخدامهما.

يقول سامر باطوس صاحب أحد محلات العطور في مدينة إدلب -للجزيرة نت- إن للعطور خاصية وجمالية تحاكي الأرواح وتلامسها كنسمات الهواء الندية، وإنها نوع من الرفاهية المتداولة بين الجميع.

ويضيف "استخدام العطور لا يقتصر على صناعة الروائح، بل يستعمل أيضا في المواد التجميلية والطبية، ويمنحها روائح عطرية مميزة ومحببة لدى النساء خاصة والرجال عامة، مما يساهم في رواج المنتجات باختلافها سواء كانت غذائية أو تنظيفية أو تجميلية أو طبية".

أصناف متعددة
ولكل صنف من أصناف العطور سوقه ومحبوه، فهناك من يميل للروائح الحادة كالبهارات وهناك من يميل للروائح الناعمة كالورود.

كما تتعدد خصائص العطور وتختلف باختلاف فصول السنة، فتتنوع بين العطور الصيفية والشتوية وبين العطور المسائية والصباحية والعطور الطفولية والنسائية والشبابية، ولكل رائحة وصنف زمنها ورواجها الذي يتناسب مع أذواق الناس.

عدد قليل من صناع العطور يدركون تركيباتها السليمة (الجزيرة)

ويشير باطوس للجزيرة نت إلى أن صناعة العطور علم كباقي العلوم، وأن غياب الرقابة جعلت من العطور الرخيصة والسيئة تنتشر بشكل واسع بسبب السعي وراء الربح، دون أن يعلم من يبيعها أن ما يبيعه من عطور سيئة قد تسبب مشاكل صحية في الجلد والجهاز التنفسي.

ويضيف "الخطر الأكبر الذي يقع فيه معظم الناس هو تعقيم الجروح بهذه المواد السامة التي تؤدي إلى حالات تهيج وتخرش للجلد، والأمر نفسه بالنسبة للمواد التجميلية التي انتشرت ورشات تصنيع محلية لإنتاجها ببعض المواد والمعدات الأولية غير المكلفة وغير الصالحة، وهي خلطات بجهود فردية دون إشراف متخصصين أو أصحاب الكفاءات".

ويقول باطوس أيضا إن عمله في هذه المهنة هو بمثابة حالة من العشق التي تلازمه منذ عشرين سنة، وإنه يكتشف جانبا جديدا منها كل يوم ويتعامل معها كفن من الفنون، وهي أشبه بالوتر الحساس في العود، إذا لم نتقن العزف عليه أعطانا صوتا مزعجا.

سحر خاص
يقول تاجر العطور عبد المنعم للجزيرة نت إن ما أعطى العطور خاصية في مدينة إدلب هو حنكة بعض التجار وأسلوبهم المختلف عن تجار حلب والشام الذين يروجون لبضائعهم عن طريق شركاتهم الخاصة التي تتعامل مع صنف واحد أو علامة عالمية واحدة.

ويضيف "في إدلب تجتمع أكثر من عشرة أصناف متميزة لا تستطيع شركة أخرى المنافسة فيها، وتكون مطابقة للنسخة الأصلية، وهذا ما أكسبها خاصية وجمالية التميز عن غيرها".

العطور في إدلب يركبها التجار (الجزيرة)

ويوضح عبد المنعم أن الاختلافات الوحيدة بين العطور التي يتم إعدادها في إدلب والعطور العالمية ليست سوى فوارق جمالية ومادية، وأنهم في إدلب يستخدمون أجود أنواع الزيوت وأفضلها، ويبقى السعر أرخص بكثير من استيراد العطور الجاهزة.

ويقول أيضا "لولا الحرب الدائرة لكانت مصانع العطور منتشرة في كل سوريا ولسنا بحاجة للاستيراد، فهناك الكثير من السوريين المقيمين في الخارج أصبح لديهم معامل لتصنيع العطور، ولكن كلفة استيراد المواد الأولية الأوروبية الباهظة والآلات وقلة المحروقات هو ما يجعل هذا الأمر عائقا دوننا هنا في الفترة الراهنة، لكننا بالإمكانيات المتواضعة نقدم أفضل وأجود أنواع العطور التي تفوح رائحتها في كل أجواء إدلب وضواحيها".

العطر والأمل
تفيد الطالبة في علم النفس بكلية التربية جنى بأن للجمال آثاره على النفس البشرية التي تنعكس إما سلبا أو إيجابا، وهو قبل أن يكون أمرا فنيا ملموسا، هو شيء محسوس له علمه الذي خاض فيه الكثير من الشعراء والخبراء والفلاسفة إلى أن بات له فرع مستقل في مجال علم النفس يطلق عليه اسم سيكولوجيا الجمال.

وتضيف "هو شيء خاص بالنسبة للنساء والفتيات اللواتي يبحثن عن كل ما هو جوهري وجميل يمنحهن القوة والرقة الجمالية والعلاجية معا، فتترجم هذه السمات بالأمل الذي يبعث على المقاومة والاستمرارية رغم ظروف الحرب الدائرة".

وتتابع بالقول "قد يقول البعض ما حاجة هؤلاء للعطر وللمواد التجميلية في ظل الحرب التي تمر بها البلاد، غير أن الإنسان بحاجة دائما للنظر بنفسه وإعطاء الأمل لها، واتباع كل الطرق التي تجعله يقهر بها الظروف، والعطر واحد منها".

المصدر : الجزيرة