"ورق البوسطة".. هكذا احتفظت طوابع البريد بذاكرة المصريين

عبر أكثر من 2500 طابع بريد صدرت على مدار 153 عاما، تستطيع التعرف على أهم محطات التاريخ المصري الحديث (الجزيرة)
عبر أكثر من 2500 طابع بريد صدرت على مدار 153 عاما، تستطيع التعرف على أهم محطات التاريخ المصري الحديث (الجزيرة)

عبد الرحمن أحمد-القاهرة

منذ صدور طوابع البريد المصرية الأولى في 2 يناير/كانون الثاني 1866 وحتى اليوم، تجاوزت "أوراق البوسطة" -كما يسميها المصريون- وظيفتها كوسيلة لسداد رسوم إرسال الخطابات، حيث تحولت إلى وثائق تاريخية ومعارض فنية وذاكرة شعب ووطن، تجوب العالم عبر قصاصات صغيرة مختلفة الألوان والأحجام والفئات.

وعبر أكثر من 2500 طابع بريد مصري صدرت على مدار 153 عاما، تستطيع أن ترصد كيف تغيرت الأنظمة السياسية الحاكمة في مصر، وتتابع أهم أحداثها التاريخية الفارقة، وتتعرف إلى أهم رموزها من علماء وأدباء وفنانين وزعماء، وترصد مشروعاتها وفنونها وتراثها ومعالمها الحديثة وآثارها القديمة، وتحتفي معها بلحظات الانتصار وتتذكر جرائم الأعداء.

جلاء الاحتلال البريطاني عن القلعة ورفع العلم المصري (الجزيرة)
من السلطنة إلى الملكية
أنهى الاحتلال البريطاني بتصريح 28 فبراير/شباط 1922 "حمايته" للسلطنة المصرية من جانب واحد واعتبرها "دولة مستقلة ذات سيادة"، لتتحول مصر إلى مملكة في 15 مارس/آذار 1922 ويصير السلطان فؤاد أول ملك لمصر.

سجلت الطوابع المصرية هذا الحدث بتوشيح تاريخ "الاستقلال" واسم المملكة المصرية وشعارها (التاج الملكي) على مجموعة الطوابع العادية الصادرة في هذه الفترة، والتوشيح هو نص أو رمز يضاف للطابع بعد طباعته لتغيير المناسبة أو الفئة.

وبعد ثلاثة أعوام أصدرت مصر أول طوابعها البريدية التذكارية بمناسبة عقد المؤتمر الجغرافي الدولي في أبريل/نيسان 1925، وتوالت بعد ذلك الطوابع التي تسجل الأحداث المهمة.

وفي أبريل/نيسان 1931 احتفت طوابع البريد بوصول المنطاد الألماني الشهير جراف زبلين إلى مصر بعد أن منعه الاحتلال البريطاني قبل عامين، وهو الحادث الذي اعتبره سياسيون مصريون وقتها تدخلا سافرا في شأن داخلي.

ووشحت مجموعة الطوابع الجوية من فئة 27 مليما والتي تحمل صورة طائرة نفاثة تحلق فوق النيل بعبارة "جراف تسبلين أبريل 1931" بالعربية والإنجليزية، وحملت فئتي 50 و100 مليم.

بعد إلغاء معاهدة 1936 حمل فاروق لقب "ملك مصر والسودان" (الجزيرة)
معاهدة وحرب وجلاء
وفي ديسمبر/كانون الأول 1936 صدرت ثلاثة طوابع تحمل صورة لاجتماع توقيع المعاهدة المصرية الإنجليزية بلندن في 26 أغسطس/آب 1936، والمعروفة باسم "معاهدة 1936".

وتسجل لنا طوابع البريد عقد "مؤتمر مونترو" بسويسرا خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار 1937 لبحث إلغاء الامتيازات، وانتهى المؤتمر بالاتفاق على إلغاء النظام القضائي للأجانب في مصر نهائيا بعد فترة انتقالية.

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية في سبتمبر/أيلول 1945 دخلت المعاهدة حيز التنفيذ، ووثقت الطوابع أول تنفيذ لبنودها بجلاء القوات البريطانية عن قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة في 5 مايو/أيار 1946، ورفع العلم المصري عليها.

وفي 6 مايو/أيار 1947، صدر طابع بعنوان الجلاء يحمل صورة الملك فاروق وهو يرفع العلم المصري، ليسجل انسحاب قوات الاحتلال عن مواقعها في القاهرة والإسكندرية.

كما وثقت الطوابع المصرية حرب فلسطين في 15 مايو/أيار 1948، عبر تصميم يحمل صورة لزحف الجيش المصري إلى الأراضي الفلسطينية.

ومع الانتهاء الرسمي للنظام القضائي المختلط في مصر في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1949، صدر طابع من فئة عشرة مليمات يجسد طي هذه الصفحة من تاريخ مصر.

وكان آخر الأحداث السياسية المهمة التي وثقتها طوابع البريد في العصر الملكي إعلان الحكومة المصرية في أكتوبر/تشرين الأول 1951 إلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتي السودان 1899، فصدرت ثلاثة طوابع تذكارية لهذه المناسبة ركزت على "ضم السودان للحكم المصري" وإطلاق لقب ملك مصر والسودان على الملك فاروق، وتم توشيح كل الطوابع العادية باللقب الجديد.

أول طوابع تذكارية صدرت بعد ثورة يوليو/تموز 1952 (الجزيرة)
حقبة جديدة
في 23 يوليو/تموز 1952 عزل "الضباط الأحرار" الملك فاروق، وبعدها بشهور قليلة صدرت أول مجموعة طوابع تذكارية تسجل الحقبة الجديدة، مكونة من أربعة طوابع فئات 4 و10 و17 و 22 مليما.

وظف النظام الجديد -وخاصة مع تولي جمال عبد الناصر الرئاسة- طوابع البريد للترويج السياسي والدعاية لأفكاره ومشروعاته المختلفة، وكانت ذكرى 23 يوليو/تموز السنوية هي المناسبة الأهم لإصدار العديد من الطوابع التذكارية.

وسجلت طوابع هذه المرحلة أحداثا تاريخية مهمة مثل إعلان الجمهورية في 18 يونيو/حزيران 1953 عبر طابعين يحملان صورا لجمع من المدنيين، وكان لافتا غياب العنصر العسكري في هذا الإصدار بخلاف المعتاد.

ووثقت الطوابع توقيع معاهدة جلاء الاحتلال البريطاني عام 1954، وتأميم شركة قناة السويس في يوليو/تموز 1956، وحرب السويس وصمود بورسعيد وكفاح أهلها ضد العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل). 

"شرارة التحرير" أول طابع تذكاري بعد نصر أكتوبر/تشرين الأول 1973 (الجزيرة)
هزيمة ثم نصر
مثلت طوابع البريد شاهدا على جرائم الاحتلال الإسرائيلي في مصر (بين عامي 1967 و1973)، فسجلت مذبحتي مصنع أبو زعبل في فبراير/شباط 1970 (استشهد فيها 70 عاملا)، ومدرسة بحر البقر في أبريل/نيسان 1970 (استشهد فيها 30 طفلا).

ووثق طابعان آخران حرق إسرائيل لدير سانت كاترين في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، وإسقاط قوات الاحتلال طائرة مدنية ليبية فوق سيناء في فبراير/شباط 1973.

وخُلدت ملحمة السادس من أكتوبر/تشرين الأول على العديد من الطوابع البريدية، كان أولها هو طابع "شرارة التحرير" الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول 1973 من فئة 20 مليما ويحمل صورة الرئيس الراحل "محمد أنور السادات" والعلم المصري ورسما للجنود وهم يعبرون خط برليف.

ثم توالت الإصدارات البريدية في ذكرى العبور بتصميمات مختلفة متنوعة، واحتفت بإعادة افتتاح قناة السويس بعد الحرب عام 1975، وتحرير سيناء عام 1982، وصدور قرار التحكيم الدولي عام 1988 بحق مصر التاريخي والقانوني في طابا وعودة السيادة المصرية الكاملة عليها.

طوابع البريد سجلت بطولات شعب بورسعيد في التصدي للعدوان الثلاثي (الجزيرة)
مشاريع كبرى
سجلت طوابع البريد مراحل بناء السد العالي وتشغيله منذ بدء البناء عام 1960 وتحويل مجرى نهر النيل عام 1964 وبداية توليد الكهرباء عام 1968 وحتى افتتاحه عام 1970، وامتلاء بحيرة السد العالي لأول مرة في تاريخه عام 1976.

ولم تكتف الطوابع برصد مشروع السد فقط، ولكنها وثقت أيضا بعض أثاره الجانبية وأهمها تهجير أهالي النوبة عام 1964، وتعرض آثارها لخطر الغرق في بحيرة السد، والحملة الدولية التي دعمتها اليونسكو لإنقاذ معابد النوبة مثل فيلة وأبو سمبل، ومنذ عام 1960 وحتى عام 1980 لم تخل إصدارات البريد المصري من الطوابع التي تحمل صورا لآثار النوبة والدعوة لإنقاذها.

وإلى جانب السد، سجلت الطوابع العديد من المشاريع المهمة في حياة المصريين مثل مشروع مترو الأنفاق في القاهرة (افتتح الخط الأول عام 1987، والخط الثاني على خمس مراحل بدأت عام 1996 وانتهت عام 2005)، وإطلاق أول قمر صناعي مصري (نايل سات 101) عام 1998.

من الملكية إلى الجمهورية ظلت طوابع البريد شاهدة على العصر (الجزيرة)
ثورة وتفريعتان
في مفارقة ذات دلالة، يسجل طابع بريدي فئة 70 مليما الصادر عام 1980 عملية تطوير قناة السويس في عهد السادات، تحت عنوان افتتاح "التفريعة الثالثة" للقناة فى 16 أغسطس/آب 1980، ومع أهمية هذا المشروع وما تم إنجازه في هذه الفترة، فلم يتم وصفه بـ"قناة السويس الجديدة"، كما فعل النظام الحالي عند افتتاح تفريعته في 6 أغسطس/آب 2015.

ورغم الاهتمام الرسمي الواسع الذي حظي به مشروع التفريعة الجديدة ودعايته، فإن مجموعة الطوابع الترويجية الأولى للمناسبة عام 2014 حملت خطأ فادحا اعتبره البعض "فضيحة"، حيث وضعت صورة لقناة بنما بدلا من قناة السويس على أحد الطوابع الثلاثة، ليتم سحب المجموعة من التداول بعد انتقادات واسعة.

ولا تكتفي الطوابع بتسجيل الأحداث ولكنها تشرح كيف يتغير مزاج السلطة تجاه حدث معين، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ثورة 25 يناير/كانون الأول 2011، فخلال السنوات الأربع التالية للثورة أصدرت هيئة البريد طوابع سنوية تحتفي بهذه المناسبة كان آخرها عام 2015، قبل أن يصبح الاتجاه الرسمي هو تشويه الثورة ووصفها بالمؤامرة ليتوقف إصدار أي طوابع لهذه المناسبة.

"مصر مقبرة المعتدين".. معارك تاريخية سجلتها الطوابع (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة