موكب الشموع.. احتفال فريد بذكرى المولد النبوي في المغرب

 مريم التايدي-سلا 

أثار الانتباه بلباسه التقليدي التراثي وهو يؤدي مع الفرقة طقوس الاحتفال، يتمايل مع نغمات "عيساوة" (فرقة فلكلورية) ويقفز منتشيا بمظهره ويبدو بالكاد في السابعة من العمر. تجمهر الصحفيون لالتقاط صور له وصفق له كل من كان بالمنصة الشرفية بساحة الشهداء بسلا.
 
هو طفل صغير خطف الأضواء بتلقائيته وجمال حضوره ولبس على الطريقة العيساوية (فرقة فلكلورية) ثم أمسك به والده وقدم الاستعراض مع الكبار.. "هكذا تنقل العادات بالتوارث ويحفظ التراث" تردد أجنبية كانت تتابع باهتمام عروض موكب الشموع بمدينة سلا.
 
احتفال فريد
حضرت عيساوة وكناوة وعبادات الرمى ودقة المراكشية والطقطوقة الجبلية (فرق فلكلورية من مختلف مناطق المغرب) بمدينة سلا حيث ينظم موكب خاص فريد من نوعه كل عام يعرف بموكب الشموع ويسميه السلاويون "دُور الشمع".
فرق تراثية عديدة تشارك في الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف  (الجزيرة)

ويقول نقيب الشرفاء الحسونيين (الجهة المنظمة) عبد المجيد الحسوني في تصريح للجزيرة نت، إن المغرب له خصوصية في احتفالاته بذكرى المولد النبوي الشريف الذي يخلده العالم الإسلامي وإن مدينة سلا تمتاز عن المدن الأخرى بـ "دور الشمع".

ودور الشمع هو موكب للشموع تمتاز به مدينة سلا (جوار العاصمة) وتقليد سنوي يروى أنه يعود لخمسة قرون مضت حين أقيم أول احتفال بموسم الشموع كان في أول ذكرى للمولد النبوي من حكم السلطان أحمد المنصور الذهبي في سنة 986 للهجرة (1578 ميلادي).

ويمتاز دور الشمع باستعراض في الشارع تشارك فيه فرق تراثية من كل المغرب وتعرض فيه مجسمات الشموع المستوحاة من الزخرفة الإسلامية وهوادج مطرزة بالشمع تزن كل واحدة منها ما بين 15 إلى خمسين كيلوغراما وتحمل على الأكتاف وتجوب شوارع المدينة.

صنعة عائلية
تتوارث بعض العائلات السلاوية العريقة تطريز الشموع من جيل إلى جيل لأكثر من خمسة قرون ويحتفظ بهياكلها طوال السنة في ضريح مولاي عبد الله بن حسون ويتم سحبها منه قبل شهر من ذكري المولد النبوي لترسل إلى منزل صانع الشموع لتطريزها وزخرفتها وتختص بهذا العمل اليوم عائلة "بلكبير" (واحدة من العوائل السلاوية) إلى جانب عائلتي شقرون وحركات في وقت سابق.

ويعمل الحسونيون على صيانة هذآ الموروث الذي تركه لهم السلطان أحمد المنصور منذ الدولة السعدية بالمغرب بعدما احتفل به عقب انتصار المغرب في معركة وادي المخازن التي شارك فيها القطب عبد الله بن حسون- كلفه السلطان آنذاك برئاسة الموكب- ليصير منذ ذاك الحين الحسونيون أمناء على هذا الشكل الاحتفالي.

دور الشمع احتفال يميز مدينة سلا عن سائر مدن المغرب (الجزيرة)

ورغم انفتاحه على أشكال استعراضية جديدة، بقي هذا الموروث محافظا على كل الطقوس التي كان السلطان السعدي قد استوحاها من زيارة له لإسطنبول على عهد الخلافة العثمانية، ويؤكد عبد المجيد الحسوني أن عمر تظاهرة دور الشمع خمسة قرون وأن الحسونيين حافظوا على التقليد بمعية كل سكان سلا ومبدعيها ومسؤوليها.

مراسم الاحتفال
يبدأ الاحتفال بموكب الشموع بمدينة سلا بعد صلاة العصر ويتجمع بالسوق الكبير -قرب دار صانع الشموع- ويكون في مقدمته الشرفاء وأتباع الزاوية الحسونية ثم الأشخاص الذين يحملون الشموع (الطبجية) وتصحبهم أجواق الموسيقى وأنغام الطبول ويجوبون الشوارع الرئيسة.

ويصطف جمهور غفير لمتابعة الاستعراض ويرافقه إلى ساحة باب لمريسة حيث تقام منصة رسمية ثم يتوقف الموكب ويرفع الحسونيون بقيادة نقيبهم الدعاء لملك البلاد وبعدها تؤدى رقصات الشموع في ساحة الشهداء ويتابع الموكب مساره إلى دار الشرفاء الحسونيين حيث ضريح ابن حسون الذي يقام به حفل ليلي بفن المديح والسماع الصوفي.

وشهد الموكب في السنة الحالية عرضا بعمق أفريقي أداه مهاجرون من جنوب الصحراء عبر رقصات متنوعة إلا أن عبد المجيد الحسوني يتشبث بكون الموكب ليس كرنفالا للشموع، ويصر على أنه تظاهرة دينية تشارك فيها كل الأطياف من باب التنوع والانفتاح على الآخر، ويقول "يشارك الناس في دور الشمع ليس لأنه كرنفالا وإنما محبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وتظهر أدبيات الموكب أن الطريقة الحسونية ترتكز على التربية الروحية الذوقية وتعتبر الجمال مدخلا إلى ارتقاء الروح والذوق، ويؤكد عبد المجيد الحسوني أن الهدف من الاحتفال هو اكتشاف القيم والأخلاق المحمدية وأن الإسلام وسطي تنويري ودين محبة وإخاء ووئام.

المصدر : الجزيرة