معلمو الموصل.. بعد رحلة موت متمسكون بتعليم النازحين بالخيام

عماد الشمري-أربيل

"كانت المناهج مختلفة عما اعتدنا عليه وتعاقبته الأجيال في مدارسنا الحكومية، لذا أبيت أن أخضع لأوامر تنظيم الدولة الإسلامية عند سيطرته على الموصل وإجبارنا على تدريس مناهجه"، هكذا بدأ مدير مدرسة البارزاني الثانية الكرفانية بمخيم بحركة عبد الله محمود مطلك يستذكر مرارات أيام وصفها بالعصيبة حين تعرض لضغوط جعلته قاب قوسين أو أدنى من الاعتقال على يد التنظيم.

ويواصل مطلك حديثه المليء بالأسى بالقول إنه وغيره من عشرات المعلمين يواجهون المصير المرعب نفسه، وبعد فترة قرروا الهروب من الموصل حيث إن الرحيل ممنوع، مضيفا أنه وزملاءه تعاهدوا على كتمان القرار ورتبوا لترك المدينة للخلاص من "المهانة".

طلبة مدرسة البارزاني بمخيم بحركة في أول يوم لهم في المدرسة (الجزيرة نت)

تشابه الأسباب
ويقول مؤيد حامد سلمان، أحد المعلمين الفارين من تنظيم الدولة، إنه في بادئ الأمر أجبرهم التنظيم على الالتحاق بمدارسه، ولكن محتوى المناهج وأهدافها كانت صادمة "فلم نكن نتخيل أن أطفالا بعمر الثامنة بل حتى أقل يجب أن يتعلموا القتال ويدرسوا صنوف السلاح"، مشيرا لاحتواء المناهج على إرهاب ممنهج، مما دفعه وغيره للتفكير جديا لتحكيم الضمير والتعامل بإنسانية مع الأمر فلم يكن الحل سوى الفرار.

ويتابع سلمان "كنا ممن عزمنا على قرار ترك التدريس والمدينة قرابة 17 معلما، كلنا من الأقارب والزملاء الثقاة من منطقة البعاج بمحافظة نينوى، وفضلنا وجهة المخيمات للحفاظ على المبادئ".

مطلك أبى الخضوع لتنظيم الدولة ورفض تدريس مناهجه (الجزيرة نت)

بدأنا الرحيل
ما قاله مطلك هو قرارنا جميعا ولهذا ستكون الرحلة واحدة بمصيرها ومخاطرها، هكذا أكد معاون مدرسة البارزاني الثانية فؤاد محمد أحمد ما استهل به مطلك قصتهم، ليواصل أحمد سرد ذكرياته قائلا "توحّد القرار وتنوعت مخاطر الهجرة نحو المجهول، فبعضنا استطاع الإفلات بين ظلمات الليل سواء بمعرفته الطرق الوعرة المزروعة بالألغام أو بدفع مبالغ مالية لبعض سماسرة التهريب الذين تاجروا بمشاعر الأسر المحاصرة وحاجة الناس للحرية فساومونا بالأموال التي يضطر الكثير إلى دفعها لأنها باتت الحل الوحيد لفترات طويلة".

وأكد سلمان أن أصعب ما كان يواجهه وزملاؤه ويخشونه هو دوريات التنظيم المنتشرة على مدار اليوم، مشيرا إلى أن الوقوع بقبضتهم هو الأدهى من بين كم المخاطر.

ويعود أحمد متابعا "للمرة الأولى أعلم أن الخائف يتمنى أن يطول الليل كي ينجو وأهله، هكذا تمر علي وعلى الهاربين هواجس الخوف ونحن نرجوا أن يتأخر شفق الفجر لنغيب عن أنظار المسلحين ونصل الحدود آمنين من الاعتقال سالمي الجسد" خاتما قوله "رحلة لا تتمناها لعدوك فكيف وأهلك يعيشونها أمام أنظارك". 

سلمان يصر على الاستمرار في مخيم بحركة لتعليم أبناء النازحين (الجزيرة)

خارج الحدود
يقول مطلك إنه بعد مخاطر جمة استطاع عبور حدود نينوى بمحاذاة سوريا متجها نحو دمشق، فشعر حينها بنوع من الاطمئنان الممزوج بحسرة فراق الوطن، وأضاف أنه بعد شهور قرر هو وزملاؤه العودة إلى بغداد عن طريق مطار دمشق خاصة بعدما شارف ما كان بحوزتهم من الأموال على النفاد، لكن استقر بهم المقام في مخيم بحركة في أربيل، ليدير وزملاؤه المدرسة هناك لتعليم أبناء النازحين.
 
يتفق جميع المعلمين الذين هربوا من وطأة تنظيم الدولة على مواصلتهم السكن في المخيمات، وهو ما صرح به سلمان أثناء حديثه للجزيرة نت، متابعا "مواصلتنا مقرونة بوجود الطلبة في مدارس المخيمات، فليس من المروءة ترك أجيال تواجه الجهل والأمية، فنحن تحملنا المشقة والخوف من أجل العلم ولسنا على استعداد لكسر ما بدأناه والإخلال بمبادئنا، ولهذا سنكون هنا حتى آخر طالب يغادر الخيام".

خلف اعتبر أن ما يقدمه المعلمون في مخيم بحركة نوعا من الجهاد يجب أن تجازيهم الحكومة عليه (الجزيرة)


شهادات
يقول مدير ممثلية وزارة التربية في أربيل عبد المجيب نايف إن ما يقدمه معلمو نينوى الموجودون في مخيم بحركة هو أعلى قيم الإنسانية، فقد انتشلوا أجيالا من الضياع وحموهم من الأمية، ورغم كل ما يلاقونه من مضايقات للعودة إلى مناطقهم فإنهم ينظرون للهدف الأسمى فيزيدهم ذلك إصرارا على البقاء وتدريس الأطفال النازحين.

ويضيف أنه على يقين بأنهم سيتقدمون بإنسانيتهم سطور التاريخ ممن كافحوا من أجل التعليم والعلم. ولم يذهب المتحدث باسم نازحي أربيل محمد أحمد خلف بعيدا عما قاله نايف، بل اعتبر جهود هؤلاء المعلمين كفاحا وجاهدا وأنه على وزارة التربية الالتفات إليهم ومجازاتهم وتكريمهم.

المصدر : الجزيرة