مدارس الفرصة الثانية في المغرب.. لا تحزن على انقطاعك المبكر عن الدراسة

مدرسة محمد الخامس للفرصة الثانية تمنح المنقطعين عن الدراسة فرصة العودة (الجزيرة)
مدرسة محمد الخامس للفرصة الثانية تمنح المنقطعين عن الدراسة فرصة العودة (الجزيرة)

سناء القويطي-الرباط

غادر محمد منصف (17 عاما) مقاعد الدراسة وهو في مستوى الثانية إعدادي بسبب ظروف عائلية، لكنه ما لبث أن قرر بعد سنتين من الانقطاع البحث عن فرصة ثانية تمكّنه من استكمال دراسته وتطوير مستواه التعليمي.
 
ووجد محمد ضالته في مدرسة محمد الخامس للفرصة الثانية الجيل الجديد التي فتحت أبوابها في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وهي أول مدرسة من نوعها في الرباط تمنح فرصة لليافعين المنقطعين عن الدراسة للتدارك والعودة مجددا إلى مقاعد الدراسة.

دروس دعم
يتلقى محمد في المدرسة دروس دعم في الرياضيات والعربية والفرنسية والفيزياء وباقي المواد التي ستؤهله لاجتياز امتحانات الشهادة الإعدادية، إضافة إلى تكوين مهني في كهرباء المنازل، وقطع أشواطا متقدمة في تعلم هذه المهنة بشهادة زملائه وأساتذته رغم الأسابيع المعدودة التي قضاها في التكوين.

عزم كبير يحدو التلاميذ على تدارك انقطاعهم المبكر عن الدراسة عبر مدارس الفرصة الثانية (الجزيرة)

وينوي محمد شحذ همته لاستكمال دراسته والحصول على شهادة البكالوريا بالموازاة مع تعلم الحرفة، فهذا المسار -حسب قوله- سيمكّنه من ضمان مستقبل جيد وسيصنع منه إنسانا صالحا في المجتمع، ويقول إنه يريد المضي قدما في تحقيق هدفه ويسعى ليكون شخصا يُعتمد عليه.

أما ملاك العسري (18 عاما) فسارعت للتسجيل فيها واعتبرتها فرصة تمسكت بها كما يتمسك شخص ما بعمود عندما تدهمه عاصفة بمجرد ما تناهى إلى مسامعها فتح مدرسة للمنقطعين عن الدراسة.

وهجرت ملاك المدرسة منذ ثلاث سنوات عندما كانت في السنة الأولى إعدادي، غير أن الندم ساورها والحسرة سكنتها بسبب الفراغ والملل اللذين سيطرا على حياتها،
تصف هذه التجربة بأنها "أحسن فرصة تُمنح للمنقطعين لتدارك ما فاتهم"، داعية نظراءها إلى استغلالها والنظر إلى الحياة بعين جادة عوض الاستسلام للوهن والخمول.

واختارت هذه الشابة تعلم حرفة الحلاقة النسائية إلى جانب تركيزها على استيعاب المواد الدراسية الأخرى، وتتحدث معلمتها زَهيرة بفخر واعتزاز عن الحماس الذي لمسته فيها وفي باقي زملائها من الذكور والإناث في التعلم واكتساب مهارات جديدة رغم بعدهم لمدة عن المدرسة، وترى في هذا الحماس دافعا قويا لها وللمعلمين لبذل قصارى جهودهم لتعليم هؤلاء الطلاب وتكوينهم.

إقبال كثيف
التحق حوالي 65 يافعا تتراوح أعمارهم بين 13 و18 سنة بمدرسة محمد الخامس خلال موسمها الأول خلافا لتوقعات إدارة المؤسسة، وتقول مديرة المدرسة حكيمة مومن إنهم كانوا يخططون لاستقبال 50 مستفيدا خلال السنة الأولى للمشروع الذي أطلق بشراكة بين وزارة التربية الوطنية وجمعية آفاق شابة للتنمية، لكن الطلبات التي تلقتها الإدارة فاقت المئة، مما يُظهر رغبة الكثير من اليافعين وعائلاتهم في استكمال تعليمهم والعودة إلى مقاعد الدارسة بعد سنوات الانقطاع.

مدراس الفرصة الثانية شهدت إقبالا كثيفا من المنقطعين عن الدراسة (الجزيرة)

وتعزو حكيمة التسرب المدرسي إلى اللامبالاة أحيانا وإلى ظروف عائلية وضغوط اجتماعية أو ضغوط داخل المدرسة في أحيان أخرى، لكن الطلبة بعد مدة من مغادرة التعليم يعتريهم الندم بسبب الفراغ الذي يجدون فيه أنفسهم وغياب آفاق مستقبلية واضحة.

وتثير أرقام التسرب المدرسي قلقا في المغرب، إذ غادر التعليم خلال الموسم الدراسي 2017-2018 حوالي 222 ألف طالب في المستويات الابتدائية والإعدادية، حسب البيانات الرسمية لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، 39 ألفا منهم في الابتدائي و183 ألفا في المستوى الإعدادي.

وأطلقت وزارة التربية الوطنية لتجاوز هذا الوضع عددا من البرامج من بينها مدارس الفرصة الثانية الجيل الجديد، ووقعت في هذا الصدد اتفاقيات شراكة مع جمعيات المجتمع المدني، وباشرت تأهيل وتجهيز المؤسسات التعليمية لإحداث 46 مدرسة خلال هذا الموسم التربوي في مختلف جهات المملكة تستهدف 7 آلاف من اليافعين غير الممدرسين سيضافون إلى 32 مركزا كانت قد فتحت أبوابها خلال الموسم الماضي.

تأهيل وتحفيز
قررت وزارة التربية تحويل جزء من مدرسة ابتدائية في حي يعقوب المنصور بالرباط إلى مدرسة للفرصة الثانية تستهدف أبناء الحي والأحياء المجاورة الذين تسربوا من التعليم، تقدم حصصا للدعم المدرسي وتكوينا في حرف الحلاقة الرجالية والحلاقة النسائية وكهرباء المنازل والإعلاميات.

وتقول مديرة المدرسة إن المستفيدين سيجتازون نهاية السنة امتحانا تقييميا حسب مستوياتهم الدراسية، وإنه يمكن للذين تقل أعمارهم عن 15 سنة الالتحاق بالمدرسة العمومية أو بمعاهد التكوين المهني المتخصص، أو الاكتفاء بما تعلموه لممارسة مهنة تناسبهم بناء على نتائج الاختبارات.

ووضعت الجمعية إلى جانب الدعم المدرسي والتكوين في الحرف، أنشطة ترفيهية للمستفيدين مثل كرة القدم والموسيقى والرسم والرحلات بغية خلق فضاء يحفز اليافعين على الاستمرار في التعليم دون ضغوط. 

مديرة المدرسة حكيمة مومن (الجزيرة)

ويشرف على تأطير هؤلاء اليافعين معلمون شباب يحملون شهادات عليا وتكوينات مهنية، وتوضح حكيمة مومن أن إدارة المدرسة حرصت على اختيار فريق شاب ليكونوا أكثر قربا من المتعلمين ويستوعبوا حاجاتهم في هذا السن الحرج.

وتبذل حكيمة وفريقها جهودا كبيرة لإنجاح هذه التجربة وحمل اليافعين على استدراك ما فاتهم، وتقول "نحاول توفير جميع الظروف والوسائل لتكوين وتعليم وتحفيز الطلبة على الاندماج في المدرسة والتشبث بهذه الفرصة من أجلهم وأجل أسرهم". 

المصدر : الجزيرة