عربة صلاح.. مصدر رزق لعائلة عراقية وصورة كفاح واقعية

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

عربة صلاح.. مصدر رزق لعائلة عراقية وصورة كفاح واقعية

كمال العياش-الأنبار

وسط مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار (110 كلم غرب العاصمة العراقية بغداد) وتحديدا في سوق الأطباء، ينتصب الحاج صلاح "أبو اللبلبي" بجانب عربة خشبية تتوسط شارع الأطباء المزدحم بالمارة الذين اعتادوا أن يجدوه في هذا المكان صباح مساء، حتى صار بمثابة نقطة دالة.

الحاج صلاح أربعيني يسكن في الكطانة -أحد أقدم أحياء الرمادي- ويعمل على هذه العربة منذ 15 عاما، بعد أن ترك العمل في ورشة الحدادة بسبب ظروفه الصحية، وهو متزوج وله ولد وأربع بنات.

يشترك جميع أفراد عائلة الحاج صلاح في إعداد "قدر اللبلبي (الحمص)" إذ تسانده زوجته وأطفاله ليلا في تجهيز مستلزمات الوردية الأولى التي تبدأ من السابعة صباحا حتى الواحدة ظهرا، وما إن يخرج لبيعها حتى تقوم الزوجة وبمساعدة بناتها بإعداد وتجهيز مستلزمات الوردية المسائية التي تبدأ من الثالثة عصرا حتى الثامنة مساء.

يقول الحاج صلاح للجزيرة نت إنه منذ 15 عاما يقف في هذا المكان لبيع "اللبلبي" في فصل الشتاء والعصائر في الصيف، حتى أصبح هذا المكان جزءا منه ويشتاق له، وأصبح له زبائن من كافة شرائح المجتمع، لاسيما الأطباء والتجار والمارة في هذا السوق الذي يعد أحد أهم أسواق الرمادي.

وأضاف "لم أعد أحسب السنين التي انقضت من عمري وأنا في هذه المهنة، إلا أنني أتطلع إلى أن أجد مستقبلا أفضل لأطفالي، لذلك أعمل لورديتين صباحية ومسائية أتقاضى عنها 12 ألف دينار (عشرة دولارات) من أجل توفير نفقات العيش والدراسة".

ويستدرك قائلا "رغم عبارات الاحترام والتقدير التي أتلقاها من أهالي منطقتي وشعوري بالرضى للدخل المحدود الذي بالكاد يسد قوتي اليومي، فإنني أشعر بغصة في داخلي وأنا أرى بلدي الذي يعتبر من البلدان الغنية، لا يستطيع أن يوفر لي ولأمثالي حياة كريمة".

الحاج صلاح يشعر بغصة لأن بلده الغني لا يستطيع أن يوفر له ولأمثاله حياة كريمة (الجزيرة نت)

فترة النزوح
لم يقف الحاج صلاح على أبواب المنظمات والمخيمات بانتظار المساعدات والمعونات إبان فترة النزوح التي تعرض لها أهالي محافظة الأنبار، إذ نزح إلى العاصمة بغداد وعمل على عربة مشابهة لعربته التي تركها في الرمادي، واستطاع خلال فترة نزوحه لثلاث سنوات تأمين عيش عائلته، وكسب احترام من حوله وعكس صورة إيجابية عن المحافظة التي نزح منها.

يصف أحمد عبد الجبار -أحد السكان المحليين في الرمادي- الحاج صلاح بأنه رجل مثالي يستحق الاحترام والتقدير، حيث يرفض المساعدة والإحسان رغم ظروفه الصعبة.

عبد الجبار تحدث للجزيرة نت قائلا "اعتدت رؤية الحاج صلاح في هذا المكان منذ طفولتي.. وجوده ووقوفه هنا كل هذه السنوات بهذه القوة والصلابة يحفزنا نحن الشباب على المضي قدما لبناء مستقبلنا، وأن لا نقف مكتوفي الأيدي وننتظر المساعدة والمساندة من أحد".

أستاذ علم النفس في جامعة الأنبار يونس العيساوي يرى أن تحدي مصاعب الحياة والتكيف معها قضية تحتاج إلى جرعة كبيرة من القوة والعزيمة، يرافقها شعور عال بالمسؤولية تجاه العائلة ومستقبلها، لا سيما بعد انقطاع الأمل من أي التفاتة حكومية.

العيساوي أكد للجزيرة نت أن الحاج صلاح حالة لها أمثلة عدة، إذ تتمتع هذه الشخصية باحترام وتقدير كبيرين، مضيفا أن "هذا ما لمسناه من خلال دراستنا لهذه الحالة عندما رصدنا أن غالبية زبائن الحاج صلاح هم من المعجبين به الذين يكنون له كل الاحترام، لا سيما عندما يجدون شخصا بهذه المواصفات من العوز وضيق العيش يرفض مد يد العون له ويحمل من المبادئ وعزة النفس الشيء الكثير".

المصدر : الجزيرة