عربات "الكوتشي" بمراكش.. متعة التجول في فضاءات المدينة السياحية

عبد الغني بلوط-مراكش

بينما تنتصب صومعة مسجد الكتبية، بمدخل ساحة جامع الفنا في مدينة مراكش، شامخة كأنها تحصي حركات الناس البطيئة في كل الاتجاهات؛ تتقدم خيول تجر وراءها عربات في صف طويل لتملأ فراغا تركته وراءها عربة المقدمة. 

حركات دأبت عليها طوال النهار عربات "الكوتشي"، بلونها الأخضر الزاهي، في حين ينتظر سائقوها دورهم لأخذ سياح المدينة وزوارها في جولة بشوارعها وأزقتها. 

جولة في المدينة
"هذه العربات المجرورة بخيول استعملت في الماضي، وأصبحت منذ بداية الاستقلال تراثا مغربيا يغني الفضاءات السياحية للمدينة الحمراء، ويضفي عليها رونقا وشاعرية"، كما يقول رئيس جمعية أرباب وسائقي العربات رشيد لوديني للجزيرة نت.

ويضيف -وهو يمسح على رقبة حصانه بلمسة حانية- "توجد في المدينة الحمراء 148 عربة من هذا النوع، ونحو ستمئة حصان تعمل بالتناوب كل يومين، صمدت في وجه جميع التغيرات، فدخول حافلات سياحية عالية الجودة إلى المدينة الحمراء لم يفقدها رونقها وجاذبيتها".

‪‪"الكوشي" في مراكش ذاكرة متنقلة‬ (الجزيرة)

أسلوب حياة
ويقول الباحث الأكاديمي والإعلامي عبد الصمد الكباص للجزيرة نت "حين يتأمل زائر المدينة هذه العربات يصل إلى قناعة راسخة مفادها أنها ليست مجرد وسيلة نقل، بل أسلوب حياة يقوم على البساطة والتأني والهدوء في مدينة البهجة، بعيدا عن أي تكلف أو تصنع".  

أما رشيد فيضيف "هذه الأحصنة هي كل حياة السائق، يعاملها بلطف، يقويها بالغذاء الكامل ويروي عطشها، ويريحها بعد تعب، ويختار لها أحسن الأربطة، ولا يهمل مشطها والعناية بحوافرها".

وبينما يسترسل رشيد في كلامه وهو يرتب خصلات الشعر المتناثرة على رقبة جواده المفضل؛ يبادله هذا الحيوان لمسة بهز خفيف لرأسه كعلامة ظاهرة على الرضا والاستعداد للعمل.

إغراء وصمود
يغريك منظر الخيول المتراصة بانتظام كأنها في تدريب عسكري لتستمر في مشاهدة العرض، حين يقترب حصان من آخر يخيل إليك أنه يهمس له بعبارات كلها كبرياء وصبر.

أما صوت الموسيقى المنبعث من الأجراس المعلقة في عنق الأحصنة المتحركة ببطء وتأن فتعود بك إلى زمن يعبق بأريج التاريخ.

"تحرك هذه العربات في الأزقة الضيقة المتقاربة والملتوية بخفة ينسجم مع طبيعة التركيب المعماري لمدينة مراكش العتيقة"، كما يرى الكباص.

ويضيف "سر صمود الكوتشي يرجع إلى تماهيه مع شخصية المدينة العتيقة المتأنية، مقابل شخصية المدينة العصرية المتوترة والقلقة".

‪العربات المتراصة تغريك بجولة في المدينة‬ (الجزيرة)‪العربات المتراصة تغريك بجولة في المدينة‬ (الجزيرة)

دهشة ومتعة
يستقبل رشيد أول زبون بابتسامة عريضة مصحوبة بعبارة ترحيب بلغة إنجليزية ممزوجة بلكنة محلية غير خافية "لا تكتمل زيارة مدينة مراكش بدون جولة على عربة الكوتشي".

دافيد هو أول سائح يصل المكان في ذلك الصباح الجميل، مع عائلته الصغيرة، يركب دون أن يسأل عن الثمن، يشير إلى قطع النحاس اللامعة التي زينت العربة وإلى الأجراس المعلقة في عنق الأحصنة ويقول للجزيرة نت "مهما كان ثمن الرحلة لن يعادل متعة جولة على متن هذه التحفة الفنية".

وخلال الجولة لا يتوقف رشيد عن شرح مشاهد الجولة لميشيل، الذي يبدو مأخوذا بمناظر المدينة الطبيعية والمآثر التاريخية وهي تتراءى أمامه تحت وقع حوافر الخيول المتناغمة. 

دهشة وغرائبية
ويبيّن الكباص أن الدهشة البادية على السائح الغربي تتجاوب مع نزوعه إلى حنين الماضي الممزوج بالغرائبية المتخيلة في ذهنه عن حضارة مراكش العريقة، وهو بذلك لا يرغب في أن يرى المشاهد نفسها التي خلفها وراءه في المدينة الغربية المعاصرة.

ويزور مدينة مراكش كل سنة نحو مليوني سائح، وتحتل المرتبة الأولى وطنيا، ومصنفة ضمن المدن العشر الأكثر جاذبية عالميا.

وتلزم مصالح ولاية مراكش والمجلس البلدي المهنيين بقوانين خاصة، منها ضرورة إلباس كل حصان واق جلدي للفضلات حفاظا على نظافة المدينة، مع إشهار التسعيرة، كما لا يجوز للعربات أن تقف أمام المآثر التاريخية أو الفنادق والمطاعم لمدة طويلة خلال جولتها، ولها مواقف خاصة تنطلق منها وتعود إليها.

منظر الخيول المتراصة بانتظام كأنها في تدريب عسكري يجذب الزوار وتجبرهم على استمرار المشاهدة (الجزيرة)منظر الخيول المتراصة بانتظام كأنها في تدريب عسكري يجذب الزوار وتجبرهم على استمرار المشاهدة (الجزيرة)

تكلفة الجولة
ثمن الجولة محدد بـ120 درهما (نحو 12 دولارا) للساعة الواحدة، حسب التسعيرة القانونية، وهو ثمن مناسب -حسب رشيد- وبفضله يستطيع السائقون أن يغطوا مصاريف عيش بيوتهم واقتناء الأحصنة وتجديدها، والعناية بالعربات لتظل أنيقة وزاهية.

ويتراوح ثمن كل حصان بين خمسة آلاف و13 ألف درهم (نحو 500 و1300 دولار) حسب سنه ومظهره وقوته.

حين يرخي الليل سدوله، يستمر صخب موسيقى كناوة وعيساوة وروائح المأكولات الشعبية منبعثا من ساحة جامع الفنا، يودعنا رشيد وهو يسترجع الأغنية القديمة "أمول (صاحب) الكوتشي جمع كلشي (كل شيء)، أبضاض (العشق) يرشي (يتعب)"، في تعبير جميل عن عشق هذه المهنة المتعبة الممتعة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة