"التعليم للمغرب" يحمي أطفال الأطلس من التسرب والزواج المبكر

هاجر إسماعيل-الدار البيضاء

عندما تأتي إلى المغرب سائحا لا بد أن تتضمن جولاتك زيارة جبال الأطلس ومرتفعاته الشاهقة للاستمتاع بسحر الطبيعة وجمالها، لكن هذه الزيارة قد ينغصها البرد الشديد، وهو قدر سكان تلك المناطق الذين يعيشون شبه معزولين عن العالم المدني وتحاصرهم العادات والتقاليد فتجبر الفتيات على الزواج في سن صغيرة والفتيان على العمل بحثا عن مصدر دخل يكون سندا للعائلة الكبيرة.

الكل يعرف جيدا قسوة الظروف التي يعيشها سكان الجبال، لكن عز الدين لعزيري الذي يعمل أستاذا للغة العربية بالبعثة الفرنسية بالمغرب، عندما ذهب إلى قرى جبال الأطلس الكبير الأوسط (تقع بين مدينتي أزيلال وورزازات جنوبي المغرب) برفقة أصدقائه عام 1998 ورأى معاناة الساكنة هناك، قرر أن يضيء شمعة في الظلام بدلا من أن يلعنه، ومن هنا بدأت قصة جمعية "التعليم للمغرب" (Teach4Morocco).

عشق ومبادرة فجمعية
عن مبادرته، يقول لعزيري للجزيرة نت إنه وقع في عشق هذه المنطقة من أول زيارة، فقرر برفقة عدد من أصدقائه العاملين في مجال التعليم تكرار الزيارات، وفي عام 2000 بدؤوا في التعرف على مشكلات السكان والتحديات الكبيرة التي تواجههم في حياتهم اليومية مثل صعوبة الطرق وندرة المواصلات وعدم وصول الماء والكهرباء إليهم وبالطبع الانخفاض الكبير في درجات الحرارة، حيث إن المنطقة تُغطى بالثلوج أكثر من أربعة شهور في العام، وحيث تقل الخدمات الصحية، فأقرب مستوصف صحي كان على بعد 70 كيلومترا.

‪‬ متطوعون يقدمون نشاطا ترفيهيا لطلاب منطقة في جبال الأطلس(الجزيرة)

ورغم تلك الظروف، لمس لعزيري وأصدقاؤه لدى السكان رغبة كبيرة في تعليم أطفالهم، وهذه الرغبة وجدت صدى كبيرا في أنفسهم خاصة وأنهم -خمسة أعضاء مؤسسين في الجمعية- يعملون في مجال التعليم وفي وزارة الشباب والرياضة.

وهكذا كان قرارهم هو التدخل لمساعدة السكان، وبالفعل بدؤوا ذلك منذ عام 2002 حيث أصبحوا يعودون إلى قرية ايشباكن صيفا لمساعدة التلاميذ في تعلم القراءة والكتابة والحساب، بالإضافة إلى تقديم أنشطة موازية للأطفال مثل المسرح وحملات توعية عن ضرورة الحفاظ على البيئة والنظافة الشخصية لهؤلاء الأطفال.

طوال عشر سنوات قام عز الدين لعزيري برفقة أصدقائه بمساعدة أطفال هذه القرى أسفل شجر اللوز الشهير بالمنطقة لأن حالة الأبنية التعليمية لا تساعد على العمل فيها، ولكن بمجرد أن تم إشهار جمعية "التعليم للمغرب" عام 2012 أخذت الجمعية على عاتقها مسؤولية إصلاح المنظومة التربوية في القرى المعزولة بجبال الأطلس الكبير الأوسط.

وقامت الجمعية بإصلاح الفصول الدراسية في قرى مكدز ووادي تساوت وايشباكن وآيت بوكماز وآيت حمزة وآيت عبد الله، وبناء عدد من الفصول الدراسية الملحقة بالمدارس المركزية، حيث إن بعض المدارس تبعد عن القرى بحوالي 7 كيلومترات، فتم إطلاق مبادرة بناء فصل دراسي واحد داخل كل قرية، في ظل المعاناة الرئيسية لبعض الأسر من بعد المدرسة والخوف على الأطفال أثناء الذهاب والإياب خاصة في فصل الشتاء مع الانخفاض الكبير في درجات الحرارة بالمنطقة وفي فترات فيضان النهر.

‪أعضاء جمعيات طلاب مغاربة بالخارج يقومون بأنشطة تثقيفية لصالح طلاب القرى‬ (الجزيرة)

وكانت تجربة الفصل الواحد حلا مثاليا لهم لمساعدة الأطفال على الالتزام الدراسي خاصة وأن أعضاء الجمعية لاحظوا أن التعليم يحمي الأطفال من الانحراف والتعرض للحوادث أو السقوط من الجبال، وأيضا يحمي الفتيات من الزواج المبكر، حيث إن الفتاة في تلك المناطق كانت تتعلم بحد أقصى دروس المرحلة الابتدائية ثم تتزوج، وكان أعضاء الجمعية يتفاجؤون بعد ثلاثة أعوام بأن لها ابنا يتعلم في الجمعية.

وبالتالي كان أسلوب من أساليب مكافحة هذه العادات هو التشجيع على الاستمرار في التعليم من خلال تجربة الفصل الواحد، وبعد تسعة عشر عاما من العمل تخرّج طلاب تعلموا مع الجمعية وأصبحوا اليوم يدرسون أبناء قريتهم، وهناك فتيات استطعن الحصول على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة).

واقع في طور التغير
يواصل عز الدين لعزيري حديثه للجزيرة نت قائلا إن التعداد السكاني لمعظم هذه القرى حوالي 500 شخص في القرية الواحدة، وتعاني معظم الأسر من غياب الأب للبحث عن مصدر رزق في المدن، في وقت تظل فيه النساء برفقة الأطفال والشيوخ في هذه القرى الجبلية المعزولة.

وقد لعب قرار الدولة إعطاء دعم مادي لكل طفل يستمر في التعليم في قرى جبال الأطلس دورا كبيرا في مساعدة مبادرة الجمعية وغيرها من المبادرات على الاستمرار في العطاء كل هذه السنوات، إذ تغير الوضع الآن تماما في هذه المناطق حيث أصبح هناك كهرباء وماء بشكل مستمر، حتى وإن ظلت عزلتهم وبُعدهم عن المدنية مستمرا إلا أن تحسن أوضاعهم المعيشية أحدث لديهم قابلية ومرونة أكثر للتغير وباتوا حريصين على تعليم أبنائهم.

وتتعاون الجمعية مع شركاء محليين في إصلاح البنية التحتية التعليمية في هذه المناطق مثل جمعية السكان المحليين وأكاديمية جهة بني ملال الخنيفرة، كما أن الجمعية تطلب من الطلاب المغاربة المقيمين في الخارج وجمعياتهم التعاون ماديا ومعنويا.

‪جانب من أشغال تجهيز مدرسة الفصل الدراسي الواحد في قرية آيت حمزة‬ (الجزيرة)

وتنظم جمعيات الطلبة المغاربة في اليابان والولايات المتحدة وفرنسا رحلات سنوية خلال العطلات الصيفية لزيارة تلك المناطق ليشرفوا ماديا على عمليات إصلاح الفصول التعليمية في القرى، كما أنهم يستمتعون بالاطلاع على الثقافة الأمازيغية.

وعن المشاريع المستقبلية لجمعية التعليم للمغرب، يقول عز الدين لعزيري إن المشكلة الرئيسية التي تواجه الأطفال هناك هي أن اللغة الأساسية في تلك المناطق هي الأمازيغية والأطفال لا يعرفون العربية إلا عندما يلتحقون بالمدرسة، كما تواجههم مشكلة أن المدرسين لا يعرفون الأمازيغية فتتولد مشكلة في التواصل بين المعلم والتلميذ.

وعندما فكر أعضاء الجمعية في حل المشكلة اهتدوا إلى أن التعليم ما قبل المدرسي (الروضات والحضانات) هو ما يؤهل التلميذ لدخول المدرسة، وهذه المناطق تنعدم فيها خدمة التعليم ما قبل المدرسي.

وتعمل الجمعية على إنشاء عدد من الوحدات للتعليم ما قبل المدرسي بهذه القرى لمساعدة الأطفال وتأهيلهم نفسيا وتعليميا لمرحلة التعليم الابتدائي، كما تعمل على إعطاء دورات تدريبية لبعض ساكنات المنطقة من السيدات ليقمن بدور المربيات في مرحلة التعليم ما قبل المدرسي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تصاعد بالأيام القليلة الماضية النقاش بشأن إدراج العامية بمناهج التعليم بالمغرب، إذ دافعت وزارة التربية عن الأمر، مقابل استنكار منظمات مدنية ونقابية له، وتداول رواد مواقع التواصل الموضوع بكثرة.

المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة