انتحال صفة طبيب بمصر.. 6 حكايات تدفعك للانتباه داخل العيادات الخاصة

في ظل غياب الرقابة انتشر الكثير من الأطباء المزيفين (رويترز)
في ظل غياب الرقابة انتشر الكثير من الأطباء المزيفين (رويترز)

محمود صديق-القاهرة

هل فكرت يوما أن تسأل طبيبك عما يثبت حقيقة دراسته للطب؟ لا تندهش كثيرا فربما تحتاج إلى هذا السؤال بعد قراءة السطور التالية، حتى لو أدت إلى توتر العلاقة بينك وبين طبيبك الخاص، ودفعتك لتغيير سلوك داخل المستشفيات والعيادات الخاصة.

لم يكن عضو مجلس نقابة الأطباء مبالغا حين قال إن مهنة الطب هى أكثر المهن التي تنتحل صفة أصحابها في مصر، فمن طالب بكلية الآداب ارتدى معطفا وانتحل صفة طبيب بمستشفى المنيا الجامعي (جنوب القاهرة)، إلى عاطل تم القبض عليه بعد فترة من انتحاله صفة طبيب بمستشفى الدمرداش بالقاهرة، وآخر يحمل "دبلوم صنايع" تم ضبطه داخل عيادة شهدت إقبالا من أهالي بركة السبع بمحافظة المنوفية (شمال القاهرة).

ويقول خالد سمير عضو مجلس نقابة الأطباء إن ضعف العقوبات القانونية والرقابة، هو ما يجعل مهنة الطب أكثر عرضة لممارسة غير المتخصصين لها، ويشجع حملة المؤهلات الدراسية غير الطبية، وربما حملة المؤهلات المتوسطة، مشيرا إلى أن عقوبة هذا الجرم -على خطورته- لا تتجاوز الحبس لمدة ستة أشهر أو الغرامة 200 جنيه (حوالى 12 دولارا)، حسبما نص قانون مزاولة مهنة الطب الصادر عام 1954 المعمول به حتى هذه اللحظة.

طرافة ومخاطر
غياب الرقابة وضعف العقوبة، دفعا شابا هاربا من تنفيذ 28 حكما قضائيا إلى افتتاح عيادة خاصة، مدعيا أنه طبيب أمراض الباطنة وأطفال، حيث زور أوراقا ومستندات تشير إلى حصوله على بكالوريوس الطب وكارنيهات نقابة الأطباء وتراخيص العيادة، وظل "المجرم الهارب" يمارس عمله بمحافظة الجيزة لمدة ست سنوات كاملة، حتى اكتشاف أمره والقبض عليه.

لم تخل محاولات انتحال صفة الطبيب من حالات طريفة، كالذي نجح في خداع المرضى، وتزوج إحداهن بمدينة العاشر من رمضان (شرق القاهرة)، التي قادتها المصادفة وحدها إلى أن تكتشف حقيقة زوجها، فعندما أرادت غسل ملابسه وجدت صورة بطاقة هويته الحقيقية، حيث كانت المفاجأة، الاسم مختلف والوظيفة حاصل على شهادة من معهد خدمة اجتماعية.

وبعيدا عن الطرافة، بلغ الأمر حدا كبيرا من الخطورة على حياة المرضى، مثلما حدث في إحدى المستشفيات بمحافظة دمياط (شمال القاهرة) انتحل صفة طبيب، والتحق بالعمل في مستشفى طوارئ "كفر سعد"، وأجرى ثلاث عمليات جراحية كادت تتسبب في إصابة المرضى بعاهات مستديمة، قبل كشف أمره والقبض عليه متلبسا داخل المستشفى.

هل فكرت يوما أن تسأل طبيبك عما يثبت حقيقة دراسته للطب؟ (بيكسابي)

صعوبة اكتشاف المزيف
"هبة.ع" سيدة ثلاثينية أكدت أنه لولا اكتشاف أمر أحدهم الذي انتحل صفة طبيب أطفال وباطنة بمنطقة إمبابة (غرب القاهرة)، لظلت تتردد على عيادته لمعالجة طفلتها حتى الآن، مشيرة إلى أنها لم تر فارقا يذكر بينه وبين الأطباء الحقيقيين، بل إنها كانت تثق به، وتوصي صديقاتها وأقاربها بالذهاب إليه حال مرض أطفالهن.

الأمر نفسه أكده محمد عبد الراضي أحد مرتادي عيادة منتحل صفة طبيب، حيث أوضح أن عيادة الطبيب المزيف كانت مزدحمة طوال الوقت، مضيفا "لم يكن ليكتشف أمره إلى يوم الدين، لولا أن أحد العاملين كان يشك بالأمر وأبلغ عنه السلطات، بعد أن فصله الطبيب من العمل".

الصيدلي سمير صالح صاحب صيدلية بمنطقة إمبابة، أكد أن اكتشاف أمر الطبيب المزيف ليس سهلا، بعد أن أصبح دور بعض الأطباء الحقيقيين -مع الزحام على العيادات الخاصة- لا يتعدى وصف أدوية طبقا للعرض الذي يراه باديا على المريض.

وأشار صالح إلى أن "الروشتات" التي يكتبها أطباء بها أدوية لأكثر من مرض لحالة واحدة، فحين تكون الأعراض متشابهة بين مرضين، يكتب الطبيب علاجا للمرضين، كى يقطع الشك باليقين، وهو ما يجعل المرضى يشيدون بالطبيب، رغم أنه يضرهم.

وروى صالح للجزيرة نت قصة شاب حاصل على مؤهل متوسط كان يعمل عنده بالصيدلية، وأثبت كفاءة في حفظ أسماء أنواع الأدوية وفيما تستخدم، وجاء يوم أخبره الشاب فيه بترك العمل، وعرف الصيدلي بعدها أن صاحب أحد المراكز الطبية أغراه بمضاعفة راتبه، مقابل تزوير شهادة له ليعمل كطبيب بالمركز، وتجاوب الشاب الذي أصبح طبيبا بين يوم وليلة.

الأطباء المزيفون يهددون حياة المرضى (بيكسابي)

عقوبات واهية
عضو مجلس نقابة الأطباء خالد سمير انتقد ما يشبه انعدام الرقابة من وزارة الصحة، وإدارة العلاج الحر التي تحاسب الأطباء الحقيقيين لو وضعوا لافتة على عياداتهم بها بيانات غير دقيقة، مبديا دهشته من اعتبار انتحال صفة الطبيب جنحة تستوجب عقوبة ضعيفة، في الوقت الذي تصنف مخالفة خريج كلية الطب الذي يجري عملية وهو ليس جراحا بوصفها جناية، ويحاكم بتهمة الإهمال الطبي الفادح.

أحمد طنطاوي طبيب أسنان يرى أن منتحلي الصفة لا يقتربون من التخصصات الطبية التي تحتاج دقة شديدة في التشخيص كأمراض القلب، أو الجهاز التنفسي مثلا، ولكنهم يختارون تخصصات يعتقدون أنها سهلة التشخيص، وأمراضها شائعة، ويسهل وصف أدويتها كأمراض الباطنة والأطفال.

لكن الكارثة تتمثل -حسب طنطاوي- إذا كان المريض يعاني من حالة متقدمة من المرض، مضيفا أنه هنا لا تجدي وصفات الطبيب المزيف الذي يبدأ في تغيير الأدوية التي يصفها للمريض عشوائيا دون دليل، ويكون في تأخير التشخيص الحقيقي خطورة على حياة المريض، مطالبا وزارة الصحة ونقابة الأطباء بالإسراع في تقديم قانون يغلظ عقوبة مرتكبي هذه الجريمة الخطيرة.

المصدر : الجزيرة