تصل قيمتها لـ400 ألف دولار.. سبح الكهرمان "وجاهة لا يسمع لها ذكر"

سبع دول شاركت في معرض كتارا لمسابح الكهرمان (الجزيرة نت)
سبع دول شاركت في معرض كتارا لمسابح الكهرمان (الجزيرة نت)

سعيد دهري-الدوحة

يمرر أبو سيف حبات مسبحته بين يديه وقد بدا مستهام الفؤاد بها بعد أن رفض عرضا بأربعمئة ألف دولار لبيعها من شدة ما نُسج بينه وبينها من عشق لا حدود له "فكما يختار المحب محبوبته من بين آلاف النساء، وقع سهم الحب على مسبحتي، فتعلقت وهمت بها حتى أصبحت لا تفارقني".

يتحدث شملان المسلم (أبو سيف) وعينه تتوجس من أن يلمس أحد مسبحته البولندية الأصل، التي صممها بنفسه ووشاها بالذهب والأحجار الكريمة، وجعلها قرينته التي لا يفارقها، ويعلق مازحا ومبتسما "أرفض زيجة ثانية عليها، فكيف لي أن أفارقها وأفرط فيها".

يرى أبو سيف -الذي جاوز عمره ثمانية عقود ونصف- أن هواية المسبحة "وجاهة ومفاخرة وليست مكاثرة"، فهي مثل القلم والأزرار وجاهة ترفع مقام الإنسان بين أفراد عشيرته وتعزز انتماءه لتقاليد مجتمعه، بغض النظر عن قيمتها الدينية في الذكر، الذي لم يعد المقصد الأول من استعمالها.

أبو سيف وأمثاله من الهواة والتجار ومحبي الكهرمان تداعوا إلى ثمانين جناحا، في معرض مسابح الكهرمان، الذي احتضنته المؤسسة العامة للحي الثقافي بالعاصمة القطرية الدوحة على مدى ثلاثة أيام، جُمع فيه أكثر من طنَّين من أحجار وسُبح الكهرمان.
روسيا وبولندا تعدان الأكثر إنتاجا للكهرمان في العالم (الجزيرة نت)

ندرة وجودة
يتحدد سعر الكهرمان حسب نوعيته وجودته وتاريخه، فكلما كانت الخامة موغلة في الزمن الماضي كلما ارتفعت قيمتها في الزمن الحاضر. يقول التاجر الكويتي عبد الوهاب الجدعي إن الهواة غالبا ما يقبلون على نوع السُبحات المسمى "الكَيمل المعسل" ذي الأصول البولندية، وتتراوح قيمته ما بين 500 إلى 700 ريال قطري (137-192 دولار) للغرام الواحد.

واستدرك الجدعي أن هناك خامات بولندية لا يتعدى سعرها 120 ريالا قطريا (32 دولار)، ومنها ما يعرض على درجة حرارة معينة ليكتسب لون القدم ويبدو معتقا، ليباع بثمن مرتفع وكأنه أصلي، إلا أن كثيرا من الهواة يكتشفون هذا التلاعب بحسهم الذوقي أو عبر مختبرات للكشف.

ويعد قدم الخامات معلما أساسيا لتحديد جودة الكهرمان، ومن هذه النوعية كهرمان كالينينغراد الذي يرجع إلى أكثر من 40 مليون سنة، أظهرتها حفريات ومسوحات جيولوجية، حسب تصريح للسيد ماريوس كليوينسكي نائب رئيس الجمعية الدولية للكهرمان.

ويعد الكهرمان الألماني المنمش -الذي يتغير لونه مع القدم وتصير عليه نمشات ونقاط أشبه ببيض طيور القطا- من أكثر السبح مبيعا، ويصل متوسط سعره إلى 15 ألف ريال قطري (4120 دولار)، ويلفت الجدعي إلى أنه سبق أن باع مسبحة من النوع الألماني المنمش بـ190 ألف ريال قطري (نحو 52190 دولار) العام الماضي بالدوحة.

تحتفظ أجنحة من قطر والكويت بقطع وعقود وسبحات نادرة (الجزيرة نت)

ورغم إقبال الهواة على شراء سبحات تتجاوز العشرين ألف دولار، فإن أجنحة فضلت أن تقدم منتجاتها للعرض فقط، كما هو الشأن بجناح متحف موسكو الذي يعرض عقدا قديما من كالينينغراد يبلغ سعره 200 ألف دولار وعقودا أخرى تفوق خمسين ألف دولار، كما تحتفظ أجنحة من قطر والكويت بقطع وعقود وسبحات نادرة لا توجد إلا في هذين البلدين.

ومن هذه النوادر حجر كهرماني بأحد الأجنحة يبلغ وزنه 2.50 كيلو غراما وتبلغ قيمته 150 ألف ريال قطري (نحو 41200 دولار)، ويفضل صاحبها عدم تقطيعها لندرتها، علما أن أكبر خامة حجرية للكهرمان تبلغ 13 كيلو غراما بأحد متاحف لندن.

مراحل التصنيع
يحكي علي الكواري -صاحب ورشة لتصنيع وبيع السبح- مراحل التصنيع حيث تبدأ بتشريح الحجر ثم عملية التعبير وهي تقطيع طولي للخامة، وبعدها تقسيم "العوابر" (القطع المقسمة طوليا قبل تحويلها إلى خرزات) بحسب حجم الحبة، ثم تشكيل الشاهد (الحبة التي تمثل رأس المسبحة) وإنجاز "التمليكة" (عقدة الخيط برأس المسبحة)، وتتكون هذه الأخيرة من سبع قطع وفقا للشكل العربي وخمس في الشكل التركي، وقد تزيد أو تنقص حسب رغبة الهاوي أو المشتري.

كلما كانت خامة الكهرمان موغلة في الزمن كلما ارتفعت قيمتها (الجزيرة نت)

ويسهر على عملية الخراطة والتصنيع في أغلب ورشات الكهرمان حرفيون أتراك اشتهروا بالإتقان ودقة العمل، مستخدمين آلات دقيقة جدا لم تعد متوفرة إلا في سوق المزادات، وهي نفسها الآلة التي تصنع بها أجزاء محركات ساعة "روليكس" الشهيرة.

ولا عجب أن يتفنن هؤلاء في دقة الإنتاج ويتبارون في توقيع منتجاتهم بشواهد وأشكال تُفصح عن هوية الصانع أو التاجر. ويستغرق صنع سبحة متوسطة يومين فقط، وقد تزيد المدة بحسب طول السبحة أو بعدد حباتها وخرزاتها ونوعية الشاهد.

ومثلما تَجدد شكل السبحات وطرازها، فقد تغير عددها الذي كان محصورا في 33 حبة، أو45 أو 66 أو 99، وأصبح مرتهنا بما تفرزه القطعة الحجرية للكهرمان.

ورغم تعدد الدوافع والمبتغيات، استقبل المعرض عددا كبيرا من الزوار، ترك لديهم انطباعات واسعة حول ملامح جمال ينثر ألوانه الكهرمانية في فضاء المعرض وعبق طيب يفوح من أحجاره، وهمهمات متساوقة مع حركات أصابع تدير خرزات السبحات.

وشارك في المعرض سبع دول، تتصدرها روسيا وبولندا الأكثر إنتاجا لمادة الكهرمان في العالم، إضافة لدولتي قطر والكويت الأنشط في رواج هذه المادة.

ورغم تغني الشعراء قديما بالعنبر الأشهب أو الكهرمان كما ورد في كتاب "زهر الآداب وثمر الألباب" لأبي إسحاق القيرواني وكتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري وغيرهما، لكنهم غفلوا عن تجسيد العلاقة الوجدانية التي كانت تربط المرء بسبحته، وهي ما يصفها أبوسيف بالعشق الروحاني، لأن الإنسان يختار مسبحته من بين عشرات السبح، وتظل ملازمة له ولا يستطيع مفارقتها في حله وترحاله.

بعض الزوار يفحصون أحجار الكهرمان في المعرض (الجزيرة نت)
المصدر : الجزيرة