عاشق خشب الزيتون.. فنان يبث الحياة بالأشجار المهملة

قطاع الخشب يشغل نحو 55 ألفا من اليد العاملة (الجزيرة نت)
قطاع الخشب يشغل نحو 55 ألفا من اليد العاملة (الجزيرة نت)

عزيزة بوعلام-مكناس

رفع النحات المغربي عبد العالي شعرير عينيه عن كتلة خشب زيتون، وعندما توقف عن النحت وجد أمامه حصانا بما يقارب الحجم الحقيقي من الخشب.

حرارة الطقس ونسمات الهواء الساخن لا تحدان من حماسه، وهو يعمل بأناة على تنعيم التحفة التي قضى في تشكيلها أياما متواصلة.

ينفض النحات بيديه ما تبقى من نشارة الخشب عن ملابسه أثناء العمل، ويضع التحفة الجديدة إلى جانب تحف خشبية أخرى، تبوح برأي زبائنه، بما لدى هذا النحات من تناغم مع بيئته التي يفوح كل شبر فيها برائحة شجر الزيتون.

ويعتبر شجر الزيتون أشهر أشجار غابات مدينة مكناس أو "مكناسة الزيتون"، وهذا اسم المدينة القديم، وتمتد على مساحة تتجاوز عشرين ألفا وخمسمئة هكتار، أي ما يقارب 4% من مساحة زراعة هذه الأشجار بالمغرب.

بدا عبد العالي راضيا عما نحته على قطعة خشب صماء حظيت بحياة موازية، صنعتها أنامله بإبداع فني، وقال للجزيرة نت "إنه يشعر بسعادة كبيرة عندما يتمكن من جعل الحياة تدب في يابس الشجر الساكن".

منتوجات الخشب تجد إقبالا ممن يقدرون قيمة العمل اليدوي (الجزيرة نت)

العاشق المتيم
وبلغة العاشق المتيم بمحبوبته، تحدث عن منحوتاته الموزعة بطريقة منظمة في كل زاوية في ورشة والده الصغيرة، وقال إن روعة المجسمات التي تتشكل في النهاية تنسيه التعب والوقت الكبير الذي يمضيه في صناعتها.

وذكر أنه قضى أكثر من نصف عمره بين أدوات النحت وقطع خشب يعتقد الكثير من الناس أنها عديمة الفائدة، "حتى أصبحت بيننا صداقة لا يفهمها غيرنا".

بينما تحدث عنه زملاؤه في الحرفة بإعجاب، فهو كما يصفونه "فنان صامت" ما إن تقع عيناه على خامة الخشب، حتى يجد شكل القطعة الفنية المناسب لها متمثلة في ذهنه.

يدرك النحات الأربعيني أنه حين حمل إزميله ومطرقته، وبدأ يجرد قطع الخشب من صمتها ويعطيها هوية أخرى، فإنما قاده إلى هذه المغامرة الفنية الممتعة -برأيه- حرصه وإصراره على أن يظل هذا الخشب المهمل حيّا.

عند دخول الورشة الصغيرة في حجمها الكبيرة بما فيها من جمال؛ يتفاجأ الزائر بمنحوتات مبهرة، جلبت من أعماق غابات المنطقة في تشكيلات خشبية متباينة، قبل أن تتسلل إليها يد هذا الفنان الماهر، وتبدع في خباياها أعمالا فنية ترمز لجوانب مختلفة من ثقافة بلده.

المصنوعات من خشب العرعار الذي ينتشر بمدينة الصويرة (الجزيرة نت)

منتج محلي
يتقن عبد العالي نحت الخشب بمختلف أنواعه، لكنه يرى في نفسه عاشقا لا منافس له لخشب الزيتون، باعتباره المنتج المحلي لمنطقته، وجعله الخامة الأبرز لأعماله، التي يبدعها على مرأى دائم من عيون من يهوى الاستمتاع بتميزها.

يتحدث عبد العالي عن نفسه باقتضاب، فيقول إن أنامله بدأت تعانق الخشب في سن مبكرة، ومسه الإعجاب بالصنعة، فلم يفارق ورشة والده الحاج بلحبيب، الذي علمه مبادئها وأسرارها.

يجلس والد عبد العالي بكل ثقل سنين عمره داخل الورشة، ويحكي كيف مضى ابنه وراء شغفه، يتتبع بلمساته المنحوتات التي صنعتها أنامله، وكيف أوقف منذ أربع سنوات تجربته على خشب الزيتون، يكرس له حكاية أخرى ووجها آخر عبر النحت.

وشارك عبد العالي في دورة تدريبية نظمتها المدرسة الوطنية للفلاحة بمكناس عام 2014، وفرت له قاعدة متينة للانطلاق في عوالم النحت على خشب الزيتون.

ويعتقد باحثون في التراث أن المصنوعات الخشبية بالمغرب تعد نافذة على المدن التي ينتشر بها الخشب، فكما يعد خشب الزيتون عنوانا لمدينة مكناس، فخشب الأرز يحيل على منطقة الأطلس المتوسط (وسط المغرب)، وخشب العرعار على مدينة الصويرة.

قطاع الخشب يأتي على قائمة حرف الصناعة التقليدية ذات الحمولة الثقافية بالمغرب (الجزيرة نت)

معطيات رسمية
ووفق معطيات رسمية، يأتي هذا القطاع على قائمة حرف الصناعة التقليدية ذات الحمولة الثقافية بالمغرب، من حيث رقم المعاملات بنسبة 18.7%، كما يشغل نحو 55 ألفا من اليد العاملة.

وأوضحت المؤشرات التجارية خلال أول ثلاثة أشهر من العام الجاري أن حجم إنفاق الأسر المغربية على اقتناء المصنوعات الخشبية بلغ 16.5% من مجموع هذه المنتجات، وإنفاق السياح 15.4%.

يتحرك عبد العالي بخفة ونشاط بين إبداعاته، التي تلاقي إقبالا ممن يقدرون قيمة العمل اليدوي، بأسعار مختلفة حسب نوع القطعة، وتتراوح بين 1060 دولارا و16 دولارا.

بينما وقفت في زاوية مقابلة لتحفه زبونته عزيزة الشامي لتستلم قطعتها، ولفتت إلى أنها تجد في التحف الخشبية شيئا يلامس حياتها اليومية بتفاصيلها الصغيرة.

في حين قال سائح من فرنسا إن رائحة خشب الزيتون تزيده إصرارا على شراء هذه التحف، فهي -في نظره- ثرية بعبق التاريخ، وعلامة مميزة للبيئة المغربية.

المصدر : الجزيرة