ما يزال لديك الوقت لإتقان لغة أجنبية

*مونيكا شميد

في الآونة الأخيرة نشرت دراسة جديدة عن تعلم لغة ثانية، وبدت كما لو أنها إعصار اجتاح وسائل الإعلام. روجت مجموعة من الصحف الكبرى بما في ذلك "بي.بي.سي" و"دايلي ميل" و"الغارديان"، للرسالة المحبطة التي تفيد أنه من المستحيل أن تتقن أي لغة أجنبية تقريبا بعد سن العاشرة.

كل هذه التقارير قدمت النتائج التي توصلت إليها الدراسة بشكل خاطئ كليا، والرسالة التي أُعلنت خاطئة تمامًا.

لسبب واحد، هو أن كلمة "الطلاقة" أو "بطلاقة" لم تظهر قط في الدراسة الأصلية، المنشورة في مجلة "Cognition".

هناك سبب وجيه لذلك، وهو أن الطلاقة لم تكن موضع اهتمام مؤلفي الدراسة أو أي من العلماء الآخرين الذين يدرسون تأثير العمر على تعلم اللغات الأجنبية.

لكي تتقن لغة أخرى، يعني ذلك أن يكون بإمكانك التواصل بسهولة مع الآخرين، دون أن يسبب ذلك ضغطًا حقيقيًا على المتحدث أو المستمع.

يُتقن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللغة الإنجليزية ويتحدثها بطلاقة، رغم حقيقة أنك تشعر أن الإنجليزية ليست لغته الأم، وأنه قد يستخدم في بعض الأحيان كلمة "لذيذ delicious" حين يقصد أن يقول "مبهج delightful".

يمكن لأي شخص أن يتقن أي لغة تقريبًا في أي عمر. وليس صحيحًا أن الأطفال الصغار يتعلمون اللغات بشكل أسرع من الأطفال الأكبر سنًا أو حتى البالغين.

إذا عرضت نفس المقدار من قواعد لغة أجنبية لفئات عمرية مختلفة، فإن كبار السن يتصرفون بشكل أفضل دائمًا، سواء في البداية أو على المدى الطويل.

يمكن للمتعلمين من أي عمر أن يحرزوا تقدما رائعا في تعلم اللغة، حتى يصبحوا مثل المتحدثين الأصليين للغة في إتقانهم للمفردات والتراكيب اللغوية الصعبة مثل التعابير والأمثال.

الفترة الحرجة
ما يثير الحيرة حول المتعلّمين الأكبر سنا، وهو ما توصل إليه مؤلفو الدراسة الجديدة أيضا وهو أنهم يواجهون مشاكل أكبر في إتقان بعض الظواهر النحوية، لا كلها.

من الأمثلة على ذلك أنه في اللغة الإنجليزية، يجب أن يكون لدى معظم الأفعال حرف "s" مضافة إليها في صيغة الشخص الثالث المفرد:

لذلك "I/you/we/they بتبعها فعل walk دون "s". أما "he/she فيبتعها walks" بإضافة "s".

يستمر العديد من متعلمي اللغة الثانية في استخدام بعض القواعد النحوية البسيطة نسبيا بشكل خاطئ، رغم إتقانهم المذهل للمفردات.

ومع ذلك، يبدو أنك إذا تعلمت اللغة في عمر أصغر، يسهل عليك إتقان أنواع التراكيب اللغوية التي يكافح من هم أكبر سنًا في تعلمها، وينطبق ذلك على اكتساب لهجة شبيهة بلهجة المتحدثين الأصليين لتلك اللغة.

يظل الخلاف قائما بين اللغويين حول السبب وراء الصعوبة التي يواجهها العديد من المتحدثين الأكبر سنًا في إتقان القواعد النحوية المربكة. البعض منهم -بما في ذلك القائمون على الدراسة المنشورة في "Cognition"- يتفقون مع ما يسمى بفرضية "الفترة الحرجة".

إذ يفترضون أنه لدينا آلية خاصة في عقلنا تمكننا من تعلم لغة معينة، وأن هذه الآلية "تنغلق" عند سن البلوغ، وهو العمر الذي يتقن فيه معظم المتحدثين لغتهم الأم.

ويرى آخرون أن الأداء السيئ من قبل المتعلمين الأكبر سنًا ليس مرتبطًا باللغة على وجه التحديد. بدلًا من ذلك، فهم يرجعون الأمر إلى التغييرات التي تحدث عادةً مع تقدم الناس في العمر، مثل وجود وقت أقل للتعلم، وانخفاض القدرة العامة على التعلم وضعف مهارات الذاكرة، وحس بالهوية أكثر استقرارًا وتجذرًا.

الجديد في دراسة "Cognition" هو استخدامها لحجم غير مسبوق من البيانات، مقارنة بالمعايير المعتادة في الأبحاث اللغوية.

تلقى القائمون على الدراسة ما يقرب من 700.000 رد على امتحان لقواعد اللغة تمت مشاركته على وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت، ثلثا هذه الردود تمثل اللغة الإنجليزية لغة ثانية بالنسبة لأصحابها. وقد سمح لهم ذلك بإيجاد علاقة بين عمر التعلم والبراعة اللغوية بتفصيل أكبر مما كان ممكنًا في السابق.

ووجد الباحثون أن دقة الردود على امتحان قواعد اللغة قد شهدت انخفاضا حادا بالنسبة للمتعلمين الذين بدؤوا دراسة اللغة الإنجليزية بعد سن 17، وهو رقم بعيد عن رقم العشر سنوات الذي ركزت عليه التقارير الإعلامية بشكل كبير.

تجربة جديدة
تعد هذه الدراسة تجربة جديدة، وأتوقع أن نرى العديد من الباحثين في المستقبل يستخدمون مثل هذه الأدوات ويجمعون بيانات أكثر بكثير مما كنا قادرين عليه في السابق.

ستقوم بلا شك بإثراء وتشكيل النقاش العلمي حول ما إذا كانت هناك فترة حرجة لتعلم اللغة أم لا. لكن الادعاء بأن النتائج التي توصلوا إليها تشير إلى أنه بعد سن العاشرة يكون الأوان قد فات لإتقان لغة أجنبية جديدة، هو واحد من أسوأ التحريفات في النتائج العلمية التي رأيتها على الإطلاق.

للسؤال عن سبب وكيفية تعلم تفاصيل النحو الخاص بلغة ثانية وإن كان له آثار وتطبيقات هامة على النظرية اللغوية، ولكن أهميته تكاد لا تذكر بالنسبة للمتعلم الفعلي.

يمكنك أن تصبح متحدثا جيدا بطلاقة للغة أجنبية في أي عمر، والأخطاء الصغيرة سواء كانت في القواعد أو في اللكنة، غالبا تضيف بعض الجاذبية للمتحدث.

تعلم لغة جديدة. تعلم العزف على آلة موسيقية جديدة أو مارس رياضة جديدة. أو لا تفعل أيا من هذا. لكن مهما قررت أن تفعل أو لا تفعل، فلا تلم سنك.

_________________

 **أستاذة علم اللغة في جامعة إسيكس وأستاذة اللغة الإنجليزية واللغويات في جامعة جرونينجن.

المصدر : الصحافة الأسترالية