عـاجـل: ترامب: نسعى لتوسيع تبادلنا التجاري مع تركيا من 20 إلى 100 مليار دولار

أربعون عاما بحثا عن ثوب أبو شوشة

الثوب الذي عثرت عليه مها أبو شوشة وهو قريب من تفاصيل ثوب قريتها (الجزيرة)
الثوب الذي عثرت عليه مها أبو شوشة وهو قريب من تفاصيل ثوب قريتها (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

منذ كان عمرها 16 عاما بدأت الفلسطينية مها أبو شوشة السعي وراء شغفها في البحث عن ثوب قريتها "أبو شوشة"، وهي من قرى الرملة التي دمرتها العصابات الصهيونية في نكبة فلسطين عام 1948.

أصبحت اليوم في السادسة والخمسين، ولم تعثر على ثوب واحد باقٍ من قريتها التي شُتت أهلها في أنحاء متفرقة، لكنها اقتربت منه، وفي الرحلة عثرت على عشرات الأثواب المطرزة التي تنتمي لنساء من قرى ومدن مهجرة طُرّزت معظمها قبل النكبة.

وأثناء جولتها في معرض "غزل العروق" الذي افتتح قبل أيام في المتحف الفلسطيني في بيرزيت، والذي يلقي الضوء على تجربة التطريز والثوب الفلسطيني لأكثر من مئة عام، سردت أبو شوشة رحلة الوصول إلى ثوب قريتها.

كانت مأساة التهجير لا تزال حية في وعي كل الفلسطينيين عند ولادة مها عام 1962، حيث طردت العصابات اليهودية سكان قريتها، الذين لم يحملوا سوى أطفالهم، ولم يسمح الوقت للنساء بحمل أثوابهن المطرزة المخبأة للأفراح والمناسبات.

تحكي أبو شوشة عن طراز ثوب قريتها وهي تسرد روايات النساء عنه، وتقول "لم يستطع أحد وصف ثوبنا إلا في أوقات الفرح، كان ثوبا كثيف التطريز وجميلا"، وكأن الرواية كانت عن تحفة فنية.

ثوب النكبة بالأبيض من مجموعة مها أبو شوشة التي جمعتها على مدار 40 عاما (الجزيرة)

حجر الأساس
في إحدى زوايا المعرض، وقفت مها بجانب ثوب من الحرير الأسود المطرز بخيوط حمر، وقالت إنها عثرت عليه في بداية بحثها بأنحاء مدينة القدس، ولشدة إعجابها به اعتقدت أنها وجدت ثوب قريتها قبل أن تكتشف أنه يعود لسيدة من بدو بئر السبع، وكان هذا أول حجر في بناء مجموعتها ومعرفتها بالثوب الفلسطيني.

وسّعت مها نطاق بحثها، ووصلت إلى أثواب من يافا ودير طريف وبيت لحم ومناطق أخرى يعود تطريزها إلى أعوام العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.

تقول إن الأثواب التي بقيت "نجت بالحب" لقيمتها ولارتباطها بقصة تهجير كل قرية ومدينة فلسطينية انتمت إليها، وتضيف أن الثوب كان عمل كل سيدة استيقظت فجرا لتبدأ نشاطها اليومي الطويل في العمل البيتي ومساعدة الرجل في الزراعة، وفي كل هذه الظروف طرزت بطريقة فنية محترفة.

كانت نساء منطقة يافا التي أقيمت على أنقاضها مستوطنة "تل أبيب" لاحقا، يطرزن الورود وأحيانا العصافير على أثوابهن كما ظهر في ثوب أبيض من مجموعة مها أبو شوشة، تقدّر أنه يعود لسيدة من قريتي يازور أو بيت نبالا.

وإلى جانب تطريزه وألوانه المميزة، صممت النساء في منطقة يافا فتحات مطرزة بلون أزرق على جوانب الصدر لتسمح لهن بإرضاع أطفالهن، وهو نمط لم يتعرف إليه تصميم الأزياء في أوروبا إلا حديثا، كما تقول.

ومن مجموعتها أيضا ثوبان من الكتان الأبيض لبنات من بيت دجن المهجرة قضاء يافا، تميزا بمربع مطرز على صدره وبعروق تطريز طولية على جانبيه. ويظهر الثوبان وكأنهما متطابقان، لكنّهما مختلفين من ناحية تفاصيل التطريز.

مها أبو شوشة تقف بجانب ثوب شبيه بأثواب قريتها التي اندثرت بسبب النكبة (الجزيرة)

ثوب بطعم النكبة
ويأتي ثوب مرحلة ما بعد النكبة في صدارة معرض "غزْل العروق" لمها أبو شوشة، فهو الذي عبّر عن مرحلة ما بعد النكبة حينما قدمته سيدة من مدينة رام الله طرزته في العشرينيات لسيدة أخرى مهجّرة بعد نكبة 1948.

ولما كانت اللاجئة أطول من صاحبة الثوب قامت بإطالته من الخضر ولكن باستخدام قماش من أكياس طحين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). وبعد أكثر من سبعين عاما على حادثة انتقال الثوب هذه، لا يزال أحد حروف رمز الوكالة الدولية "يو أن" ظاهرا على طرفه.

ورغم جمعها أكثر من ثمانين ثوبا من مناطق مختلفة، فإنها لم تحصل عليها من نساء مهجرات، بل كانت تعثر على أثوابهن غالبا من خلال وسطاء. وتقول إن الكثير من الفلسطينيات بعد النكبة بِعن أثوابهن بسبب الفقر، لذا وجدت معظمها بأيدي تجار.

بعد عشرين عاما من البحث، وصلت مها أبو شوشة إلى ثوب من الحرير "الهرمزي"، كما يسمى، باللون الأحمر الداكن ومعه الأصفر والبني، وفيه كمية تطريز هائلة، وقد استغرق تطريزه سنة على الأقل.

لفت انتباهها تطريزه بنفس العروق الموصوفة في ثوب أبو شوشة وبغرزة زهر اللوز وما يعرف "بالحجريات" وهي أشكال تطريز مثلثة. وقدرت مباشرة أنه أحد أثواب قريتها التي تبحث عنها.

اشترت مها الثوب وتوجهت به إلى ابنة عم والدها وكانت من جيل النكبة وتعيش في غزة، لتتأكد من هويته، لكن الأخيرة قررت أنه ليس ثوب أبو شوشة لأن التطريز به أقل كثافة مما طرزته نساء قريتها، غير أنه الأكثر قربا في مواصفاته، وهكذا سمته "الثوب الأقرب إلى أبو شوشة".

معرض "غزل العروق" عن التطريز الفلسطيني افتتح بالمتحف الفلسطيني في بيرزيت (الجزيرة)

صبغت بالأسود
بعد سنوات طويلة من البحث، أدركت مها أبو شوشة أنه لم ينجُ ثوب واحد من قريتها بعد النكبة، وإذا حدث فقد صبغت نساء القرية، ومنهن جدتها نزهة أبو شوشة، كل أثوابهن باللون الأسود حدادا على 86 شهيدا قتلتهم العصابات الصهيونية خلال التهجير وبينهم جدها محمد عواد أبو شوشة.

تقول إن كل عائلة في القرية فقدت شهيدا أو أكثر، وكان من غير الممكن على نسائها بعد ذلك تطريز وارتداء ثوب موشح بالألوان مثل ثوب أبو شوشة.

وبسبب هذه المأساة توقفت النساء مدة طويلة عن التطريز أو طرزن أثوابا يومية بسيطة، إلى جانب سوء أوضاعهن الاقتصادية والعيش بلا مأوى أو في مخيمات اللجوء الصعبة.

تؤكد مها أبو شوشة أن حكاية ثوب أبو شوشة هي حكاية كل أثواب فلسطين بعد النكبة، فالكثير من القرى فقدت النساء فيها قطعها الفنية التي استهلكت منهن سنوات من التطريز.

المصدر : الجزيرة