"الإدوكان".. تراث أمازيغي مغربي "تشوهه" السياحة

أصبحت صناعة البُلغة (إدوكان) مرتبطة بالتنمية السياحية مما أبعدها عن ارتباطها بتراث المنطقة (الجزيرة)
أصبحت صناعة البُلغة (إدوكان) مرتبطة بالتنمية السياحية مما أبعدها عن ارتباطها بتراث المنطقة (الجزيرة)

وصال الشيخ-تافراوت/المغرب

عندما مررت من أمام محلّهما مع صديقة صحفية أخرى، كان محمد وسعيد يجلسان بصمت ويعملان منحيي الظهر في وضع لاصق الغراء على أحذية "البلغة" (التي تعني إدوكان بالأمازيغية، ومفردها أدوكو)، ولا يثيرهما مرور السيّاح أو حضور فعاليات مهرجان "اللوز" الذي كان مقاما بساحة قريبة منهما.

يقع مصنعهما الصغير في أحد الأزقة الرئيسية في مدينة تافراوت، حيث يجتمع معظم الحرفيين بمركز المدينة الصغيرة. وفي الشارع المؤدي إلى محلّهما كانت امرأتان تعملان على تحميص اللوز الذي سيطحن ويستخدم لاحقاً في "أملو"، المنتج المغربي الأصيل الذي يُوضع عادة على مائدة الفطور أو "الكاسكروت" (العصرونة).

كانت رائحة اللوز الذي يحمص بهدوء فوق صفائح معدنية كبيرة شهيّة وتعبق في الزقاق، وكانت العاملتان على الدوام تختبئان كلّما مرّت أمامها عدسة سائح، وترفضان التقاط صورٍ لهما.

كان باب مصنع محمد وسعيد مفتوحاً على الدوام أثناء مهرجان "اللوز"، الذي يُقام سنوياً في تافراوت (جنوب غربي المغرب)، ويحتفي باللوز الذي أصبحت أشجاره نادرة بالمنطقة.
تُعرف البلغة بأنها كانت تخيط لضمان جودتها لسنوات طويلة لكن اليوم يحلّ الغراء اللاصق محل الخيوط (الجزيرة)

جاء محمد الذي يسكن في قرية قريبة، وبعد أن ترك مدينة طنجة (شمالي المغرب) ليعمل بتافراوت التي تجذب آلاف السيّاح سنوياً خلال الربيع؛ يقول إنّ "عمله لم يستمّر بطنجة حيث تسوّق البلغة بشكل ضعيف"، لذلك تركها وعاد إلى مسقط رأسه "سوس" (جنوبي المغرب)، حتى يستطيع ممارسة ما تتقنه يداه، ويوفّر "طرف الخبز"، وفق حديثه.

يعمل كلا الطرفين -أي محمد وسعيد- على طاولة خاصة بهما؛ محمد كان يضع الغراء على الأحذية، ويجلس قريباً من الباب المفتوح دوما لدخول الهواء النقي للتخفيف من حدّة رائحة الغراء، بينما كان سعيد يجلس أمام الطاولة الداخلية، يقصّ قطع "الفلين" والجلد التي ستستخدم في قوالب الأحذية وفقاً لمقاسات مختلفة، ويخيط ما يمكن خياطته. كان يجلس صامتاً ولا يشاركنا الحديث مع محمد، لكنّه قَبِل بالتقاط صور له أثناء عمله.

عرّفنا محمد أن مهنة صناعة البلغة الأمازيغية لم تعد أصيلة كالسابق، كانت البلغة القديمة تُصنع من جلد الماعز المتين، وتُخاط وتزيّن يدوياً، الأمر الذي يتطلّب صبراً ووقتاً، أمّا في عصر السرعة وارتفاع معدل السياحة ومتطلباتها؛ فقد أصبحت البلغة تصنع خلال يوم كأقصى حدّ، بحيث تستورد الجلود غير الطبيعية المزخرفة والملونة، والتي اعتمد مصنعوها على الكمبيوتر والآلات في الزخرفة من مدن أخرى، ثمّ تحدد المقاسات سريعاً، وتلصّق بسائل الغراء، لوقت قصير حتى تجفّ ثم تُباع في الأسواق بمبلغ عشرة دولارات أو أكثر.

يرتدي الأهالي المحليون البلغة في أيامهم العادية والمناسبات، ويهديها أهل العريس للعروس أيام الأفراح (الجزيرة)

ويشير محمد إلى سبب آخر أمام تدهور الصناعة الأصيلة بأن المهنيين القدماء كانوا يحتكرون الطريقة الصحيحة والمتقنة لصناعة بلغة تدوم سنوات في أقدام أهل المناطق الجبلية الوعرة التي يصعدونها لرعي الأغنام.

ويضيف "أمّا اليوم لم تعد تُلبس سوى لبضعة أشهر كزيّ عصريّ، ثم تتمزق جوانبها لرداءة المواد التي تصنع منها، مما أفقدها مهمتها الأساسية التي تعكس تراث وثقافة المنطقة، وأصبح الهدف من صناعتها الربح المادي.

تُزيّن البلغة السوسية التافراوتيّة بزخارف ذات دلالة رمزية على أمازيغية المنطقة، من خلال حروف "التيفيناغ" أو تزركش بأشكال زهر اللوز أو زخارف هندسية ذات خيوط ملّونة، أو يتركها الصانعون بهيئة بسيطة خالية من الزينة، وتخصصّ البلغة الصفراء غالباً للرجال، والحمراء والمزركشة للنساء. ويرتدي الجنسان هذه البلغة في مختلف المناسبات، وتعتبر مكمّلة للباس التقليدي العريق لأهل المنطقة، كالجلباب والجلّابة، والملحاف، والإكسسوارات الفضية التقليدية.

وتظلّ البلغة بالنسبة لأهل البلاد فخراً، لا يمكنهم التخلّي عنها في أعيادهم ومناسباتهم كالأعراس المحلية، فهي واحدة من الهدايا المتبادلة بين أهالي العروسين، ضمن ما يُطلق عليه أمازيغياً "أوكريس"، وهو مجموعة الألبسة والحلي التي تقدم للعروس لارتدائها قبل التوجه إلى بيت العريس.

يعمل أغلب الصناع بمدينة تافراوت في صناعة البلغة ذات الزخارف الأمازيغية وتصديرها للمدن الداخلية وخارج المغرب (الجزيرة)

وتختلف البلغة الجبلية عن باقي البُلغ المدنية التي تصنع بفاس وتطوان وطنجة وفقاً للطبيعية التضاريسية للمناطق؛ فبلغة فاس لا تصلح للمناطق الجبلية، فيُصنع لها "الإدوكان" المعتمد على المتانة أكثر من الجانب الجمالي، حيث يستخدمها الناس حذاء يوميّا.

ولم تقع البلغة أسيرة للمكان أو الزمان، بل نقلها أهلها معهم كما نقلوا لغتهم وتقاليدهم إلى المدن الكبيرة مثل أكادير أو الدار البيضاء أو مراكش وغيرها، وبعضهم فتح محلّات للمتاجرة بها، ومع الدعم الحكومي المغربي لقطاع الصناعة التقليدية والحرفيين ظلّت البلغة مصدر رزق وحيدا لمحمد وسعيد.

يقول محمد -وهو يستأنس بأغاني "أحواش" المنطلقة عبر إذاعة أمازيغية- "هذه مهنتنا الوحيدة، كل يوم نصنع بلغة مختلفة، ونشمّ باستمرار رائحة الغراء، لكنّ ليست أمامنا حلول أخرى".

تواجه هذه المهنة منافسة شديدة بين الحانوت والحانوت المقابل له، فأغلب أبواب المحلّات المفتوحة أمام السيّاح في تافراوت هي لبيع البلغة أو لصناعتها، وجميعها مؤهلة لاستقبال المشترين، إلّا أن اختفاء عامل التميّز أو الفرادة يجعل معظم محلات البيع تعيش كساداً خلال الفصول الأخرى للسنة، مما يدفعهم إلى رفع أسعارها خلال موسم السياحة الربيعيّ، أو مواسم الأعياد أو المهرجانات، ويعود ذلك إلى طبيعة المنطقة البعيدة عن المدن والمنعزلة نسبياً، واعتمادها بشكل أساسي على مداخيل السياحة، وقلّة فرص العمل بها.

المصدر : الجزيرة