مبادرة مغربية لجمع الأدوية الفائضة.. خدمة للفقراء والبيئة

مبادرة مغربية لجمع الأدوية الفائضة.. خدمة للفقراء والبيئة

سناء القويطي-الرباط

قبيل الساعة التاسعة صباحا، تنتظر فاطمة بريوق على كرسي خشبي أمام باب صيدلية وسط العاصمة الرباط، توفر الدواء مجانا للفقراء بالمغرب.

وتصل الأدوية إلى هذه الصيدلية عن طريق تبرع الأفراد بتلك الزائدة عن حاجتهم أو التي توقفوا عن استخدامها. وبعد فرزها والتأكد من صلاحيتها بإشراف من الصيدلانية مليكة العلوي مأمون عضو جمعية الفضل، يتم صرفها لمن يعجز عن دفع ثمنها من المرضى المعوزين.

ترتسم على وجه فاطمة الشاحب ابتسامة رضا، حين فتحت الصيدلية أبوابها وصافحها مساعد الصيدلانية بحرارة. قبل أن يسلمها دواءها، وهو يدعو لها بالشفاء.

تقول فاطمة إن الأدوية التي تحصل عليها بشكل مجاني كانت ستكلفها ما يزيد عن 45 دولارا كل شهر، وهو مبلغ لا تستطيع تحمله، بالنظر لظروفها الصعبة.

منذ حوالي العام، دأبت فاطمة، المريضة بالسكري وارتفاع ضغط الدم والغدة الدرقية، على زيارة هذه الصيدلية بعدما تعرفت على المبادرة التي أطلقتها جمعية الفضل الخيرية التي تعنى باليتامى والأرامل والمعوزين.

ومع بداية كل شهر، تحمل بطاقة هويتها وعلب الدواء الفارغة التي استهلكتها خلال الشهر الماضي، وتتوجه حيث توجد الصيدلية التي صارت مقصدا لغير القادرين على شراء الدواء أو المعدات الطبية.

تتذكر فاطمة بأسى ولوعة فراق ابنها الذي كان يتكفل بمصاريفها واحتياجاتها بما فيها الدواء لاسيما أن زوجها قد أنهكه المرض وألزمه الفراش منذ سنوات. وتحكي بصوت مرتجف كيف أنارت مبادرة جمعية الفضل جانبا من حياتها التي أظلمتها أمراض الشيخوخة وقلة ذات اليد ورحيل ولد بار في ريعان الشباب. 

إعلان بمدخل صيدلية مليكة يدعو المواطنين للتبرع بالأدوية الفائضة (الجزيرة)

حالة تضامن
على مدخل صيدلية الدكتورة مليكة علوي مأمون في حي حسان بالرباط، يبرز هذا الإعلان الذي يدعو لتكثيف الجهود لدعم حملة جمع الدواء الفائض عن الحاجة ليستفيد منه أصحاب الدخل المحدود.

تشير مليكة إلى ركن من صيدليتها مخصص لحفظ الأدوية والمعدات الطبية المتبرع بها. وتشرح للجزيرة نت أن عددها اليوم قليل مقارنة مع الأيام الأخرى، لأن غالبيتها شحنت نحو إحدى المناطق القروية لتوزيعها على المرضى المستفيدين من خدمات قافلة طبية تنظمها إحدى الجمعيات.

تخرج صندوقا من أسفل مكتبها، وتكشف عن عشرات الوصفات الطبية لمرضى من مختلف الأعمار، يستفيدون من هذه الخدمة المجانية التي أطلقتها جمعية الفضل منذ سنوات لصالح الفئات المعوزة.

تقول مليكة العلوي -وهي تعيد ترتيب ما تبقى من الأدوية المتبرع بها- إن مصدرها عائلات يفارق مرضاهم الحياة قبل استكمال علاجهم وأشخاص يصف لهم الطبيب أدوية جديدة، فيقررون التبرع بالأدوية التي لم يعودوا بحاجة إليها ليستفيد منها غيرهم.

وتضيف "هذه الأدوية التي لا تنفع بعض المرضى، يكون آخرون بأمسّ الحاجة إليها، هدفنا خلق حالة من التضامن بين المرضى".

توزيع الأدوية
لا يتم توزيع جميع الأدوية التي ترد على صيدلية مليكة مباشرة على المرضى الذين يقصدونها، بل إن لجنة صحية بالجمعية تشرف على مسارات أخرى لهذه الأدوية.

فتلك المتعلقة بالأمراض العصبية والنفسية يتم إرسالها لطبيبين متخصصين بالأمراض العصبية والنفسية يتكفلان بتوزيعها مجانا على مرضاهم من المحتاجين، بينما يرسل جزء آخر من الأدوية المتعلقة بأمراض خطيرة أو تلك التي تتطلب استشارة طبية دقيقة لأحد المراكز الصحية، ويقوم المشرفون عليه بتوزيعها بنفس الطريقة.

وتقوم اللجنة الصحية سنويا بجرد الأدوية المتبرع بها، وتصل قيمتها سنويا -وفق إفادة مليكة- ما يقارب عشرين ألف درهم (حوالي ألفي دولار) من الأدوية الفائضة والمعدات الطبية. وتوضح أن الجرد السنوي يمكنهم من معرفة الأمراض المنتشرة بالمنطقة، وهي أمراض السكري والضغط الدموي.

أحد مراكز معالجة النفايات المنزلية التي تختلط فيه الأدوية مع باقي أنواع النفايات (الجزيرة)

حماية البيئة
ولا ينحصر هدف المبادرة في بعدها الإنساني بجمع الدواء الفائض من المتبرعين وتوزيعها على الأشخاص المعوزين فقط، بل إنها تساهم في حماية البيئة.

وتشرح مليكة أن معظم المغاربة يتخلصون من الأدوية سواء تلك الفائضة عن الحاجة أو المنتهية صلاحيتها برميها مع النفايات المنزلية أو في مجاري المياه، مشيرة إلى ما يشكله هذا السلوك من خطورة على البيئة والإنسان وعلى باقي الكائنات الحية.

هذه الخطورة يؤكدها للجزيرة نت لطفي الشرايبي رئيس الجمعية المغربية للبيئة المستدامة، الذي يوضح أن التخلص من الأدوية بطريقة عشوائية يجعل مكوناتها تتسرب للمياه الجوفية والتربة مما يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الصحة العامة.

ولا يعرف معظم المغاربة أن المسار الطبيعي للتخلص من الأدوية غير المستعملة هو إعادتها إلى الصيدليات التي تتكفل بدورها بإعادتها للموزع ثم المصنع الذي يتخلص منها بطرق آمنة، هذا المسار تقول الصيدلانية مليكة إنه لا يتم اتباعه بالمغرب لضعف التوعية بهذا الموضوع.

المصدر : الجزيرة