أغنية بائع "القِرب" بمصر.. الدنيا راح منها الخير

العم جمال ينفخ يأسه في فوهة "القِربة" التي لم يكن يخلو بيت من بيوت الفلاحين منها (الجزيرة)
العم جمال ينفخ يأسه في فوهة "القِربة" التي لم يكن يخلو بيت من بيوت الفلاحين منها (الجزيرة)

جيهان شلهوب-المنيا

لم يعد أحد يقبل على شراء بضاعة العم جمال، هو لا يزال يتجول بحماره بين القرى كما كان يفعل طوال ثلاثين عاما حتى يبيع "القرب" التي يصنعها بنفسه من جلد الماعز.

اليوم فقد العم جمال حرارة استقبال النساء لبضاعته البائرة، وفقد معها شغف ذلك الماضي البعيد حين كان يتغنى وهو فوق الحمار مناديا على القِرب فيلتف الأطفال حوله ويرددون النداء وراءه ببهجة، ثم تخرج النساء ليختبرن مدى نظافة وجودة "القِربة" قبل المساومة على سعرها.

كان العم جمال ينادي على القِرب بنفس ذلك اللحن القديم الذي تحمل كلماته دعوة طيبة للعطف على المحتاجين، حينما التقته الجزيرة نت عند مدخل إحدى قرى مركز ملوي بالمنيا كان يغني "خضي القربة يا أم جاد.. طلعي سمنة للشحات".

لكن الزمان تغير، ولم يعد الزبد البلدي الطبيعي الشهي الذي يخرج من فوهة القِربة متاحا للشحاذين، ولا حتى لأصحاب الدخول المرتفعة بعد أن تجاوز سعر الكيلوغرام منه مئتي جنيه، كان صوت العم جمال يبدو واهنا ويائسا وهو يغني لبضاعته البائرة كصوت مريض يحتضر في صحراء بلا بشر.  

"خلاص ما بقاش فيها خير" قال العم جمال وهو ينفخ يأسه في فوهة "القِربة" التي لم يكن يخلو بيت من بيوت الفلاحين منها، كما قال للجزيرة نت.

وأضاف ساخرا "الناس مش قادرة تشتري المسلي النباتي لما تصنع السمن البلدي في البيوت".

العم جمال لا يزال يتجول بحماره بين القرى كما كان يفعل طوال ثلاثين عاما حتى يبيع "القرب" (الجزيرة)

لكن العم جمال على أي حال كان محظوظا اليوم فقد باع "قربة" واحدة بعد أن مر بحماره على ثلاث قرى أثناء النهار، بالإضافة إلى أنه اشترى بضعة جلود لذبائح جديدة، لأن هناك مواسم محددة في تلك القرى صارت رحلته التجارية تقتصر عليها، وفيها يذبح المصريون جديان الماعز في الموالد وفاء لنذور قطعوها على أنفسهم عند أضرحة الأولياء ومزارات القديسين.

يجمع العم جمال بعضا من تلك الجلود بشرط أن تكون صالحة لصناعة القِرب، ويقول إن الماعز هو الحيوان الوحيد الذي يصلح جلده لصنع القربة.

ويشرح لنا كيف يصنع تلك القِرب في منزله: يوضع جلد الحيوان في إناء به "جير" لثلاثة أيام بعد نزع الشعر عنه، وينظف من الميكروبات بـ"القَرَض" المستخرج من شجر السنط لمدة يومين أخرين، وبعد التأكد من تمام جاهزيته يخيط الجلد بخيوط بلاستيكية، ويربط بحبلين من الليف من الأسفل وبحبل واحد من الأمام، ويتم التأكد من إحكام الخياطة وعدم وجود ثقوب بالنفخ فيه حتى لا يتسرب اللبن أثناء الخض.     

عملية الخض -التي تقوم بها السيدات في القرى- كانت رمزا لمشاركتهن الاقتصادية في الأعباء المنزلية، حيث يذهب فائض منتجات الألبان التي تصنعها القِربة -بعد الاستهلاك العائلي- إلى الأسواق القروية الصغيرة التي تنعقد في ساحات القرى خلال أيام محددة بالأسبوع للتجارة بها في نطاق ضيق، كنمط اقتصاد يشجع الأسر على الإنتاج، الأمر الذي وطد قيما اجتماعية وأخلاقية باتت تتلاشى وسط ضغوط حياة اقتصادية دفعت تلك المنتجات بعيدا عن متناول أيدي الكثيرين.

تراث غنائي       
قِرب العم جمال البائرة -التي ارتبط وجودها في البيوت الريفية بالخير- اقترنت كذلك في تراث الصعيد الشفاهي ببعض الأغنيات، منها ما يعدد فضل الأمهات ويعلي شأنهن في إعمار البيوت، ومنها ما يسخر من البخل على الرغم من وجود "قِربة الخير" ويدعو إلى العطف على المحتاجين والعطاء:

"ـ يا أمة القِربة فاحت.. ولا عَطِت محروم ولا باحت
ـ يا أمة القِربة رَنّت.. ولا عطت محتاج وحَنّت
ـ يا أمة القِربة رجت.. ولا عطت جار ولا مَنّت" 

وكانت القِربة تفوح بالرائحة الشهية للزبد أثناء الخض، كما تصدر صوتا يشبه الرنين مع ارتجاجها بأيدي النساء وهي معلقة على ثلاث عصي مربوطة بحبل من ليف النخيل، حيث تنفخ وتربط جيدا بشريط من القماش، وتمسكها النساء من أحد طرفيها ويحركنها للأمام والخلف بحركات منتظمة حتى يصير صوت رنين اللبن أثناء ارتطامه داخل القربة حادا.

عندها تفك النساء شريط القربة لينساب الزبد الأبيض الشهي بعد فصله عن اللبن الذي يصير حامضيا (رائب)، ثم يستخرج السمن البلدي من الزبد بعد غليه على النار مخلفا كتل الـ"المورتة" التي ينتظر ظهورها الأطفال بالخبز الساخن.

المصدر : الجزيرة