تطاير الحصى بشوارع الكويت.. معاناة مواطنين وبيروقراطية حكومة

تطاير الحصى بشوارع الكويت.. معاناة مواطنين وبيروقراطية حكومة

معدات لمعالجة تشققات الإسفلت في شوارع الكويت (الجزيرة نت)
معدات لمعالجة تشققات الإسفلت في شوارع الكويت (الجزيرة نت)

محمود الكفراوي-الكويت

كان يقود سيارته باتجاه منطقة "كبد" -إحدى مناطق التخييم في الكويت- قبل أن يفاجأ بتطاير الحصى على سيارته فيسقط في إحدى الحفر التي أدت إلى انقلاب مركبته وتعرضه لحادث كبير تسبب في كسر أربعة من أضلاع قفصه الصدري.

ينظر نايف الهدية بأسى وهو يستذكر ما تعرض له قبل عامين وبقيت آثاره عليه حتى الآن.. "تأذينا كثيرا" يقول نايف، ملخصا معاناة الكويتيين من سوء أوضاع الطرق في البلاد وعودة ظاهرة تطاير حصى الشوارع إلى الواجهة مجددا عقب الأمطار الأخيرة.

يتجاوز الرجل مأساته غير راغب في سرد المزيد منها، لكنه يتساءل عن الأسباب التي أوصلت الطرق إلى هذا الحد من السوء في بلد مثل الكويت لا يعاني من أزمة مالية كغيره من البلدان الفقيرة.

الحصى المتطاير بالشوارع تسبب في حادث سير أليم للكويتي نايف الهدية (الجزيرة نت)

لم يكن ظهور "حصى الشوارع" وليد الأمطار الأخيرة، إذ يعود تاريخ الظاهرة إلى نحو خمس سنوات مضت، وتحديدا في يناير/كانون الثاني 2014 حين اشتكى رواد عدة طرق من تطاير حبيبات الإسفلت باتجاه زجاج سياراتهم.

يوما بعد آخر ازدادت الشكوى واتسع نطاقها لتعرف إعلاميا باسم ظاهرة "تطاير الحصى"، وهو ما دعا وزارة الأشغال إلى التحرك باتجاه التعامل معها.

بداية، أعلنت الوزارة عن تشكيل لجنة تحقيق لبحث أسبابها انتهت إلى إحالة ملف القضية إلى النيابة العامة التي ردت بدورها بحفظ القضية لقيام المقاولين بإصلاح الأجزاء التالفة من الطرق وعدم وجود ضرر على المال العام.

شوارع الكويت تعاني من ظاهرة تطاير الحصى (الجزيرة نت)

بموازاة ذلك أعلنت الوزارة حينها عن توقيع اتفاقية مع مختبر النقل والأبحاث البريطاني لدراسة الظاهرة بتكلفة قدرها نحو مئة ألف دينار (نحو 330 ألف دولار)، إضافة إلى استبعاد شركتين من الشركات القائمة برصف الطرق وتوقيع عقوبة إدارية بحق أحد مهندسي الوزارة المشرفين على أحد العقود بدعوى التقصير.

ساهم تشابك الاختصاصات بين الجهات المعنية ممثلة في وزارة الأشغال التي تتولى مسؤولية طرق المناطق الداخلية، والهيئة العامة للنقل البري المسؤولة عن الطرق السريعة، في استمرار المشكلة بلا حل في ظل شكوى دائمة من وزارة الأشغال بشأن عدم توافر الموارد المالية اللازمة لأعمال الصيانة وطول الدورة المستندية والبيروقراطية الحكومية.

وأنفقت الكويت خلال السنوات الأربع الأخيرة نحو 1.7 مليار دينار (5.5 مليارات دولار) على مشاريع الطرق الجديدة التي افتتحت. وتقدر تكلفة المشاريع الجاري تنفيذها حاليا بـ2.8 مليار دينار (9.2 مليارات دولار)، وهي مشاريع تتبع الهيئة العامة للطرق والنقل البري. أما أعمال الصيانة للطرق القائمة فتبلغ تكلفتها السنوية نحو 50 مليون دينار (164 مليون دولار).

ويدفع حجم تلك المبالغ المصروفة المواطن محمد الرشيدي إلى التساؤل عن أسباب استخدام مواد سيئة في رصف الشوارع إلى الحد الذي يتسبب فيه الحصى في تخريب زجاج مئات السيارات مع كل موجة مطر تشهدها البلاد، معبرا عن أمله في أن يحاسب المتسببون في استفحال الظاهرة إلى هذا الحد.

أنفقت الكويت خلال السنوات الأربع الأخيرة نحو 5.5 مليارات دولار على مشاريع الطرق الجديدة (الجزيرة نت)

على صعيد المعالجة قامت وزارة الأشغال والهيئة العامة للطرق على مدى الأيام الماضية بكنس مساحات واسعة من الشوارع والساحات، لا سيما تلك الموجودة أمام المدارس والجهات الحكومية، للسيطرة على الأزمة.

ورصدت جولة للجزيرة نت قيام الجهتين كذلك بكشط الطبقة السطحية في عدد كبير من شوارع المناطق والطرق السريعة تمهيدا لإعادة فرشها بالإسفلت مجددا.

وبحسب تصريح سابق لوكيل وزارة الأشغال بالإنابة خالد الخزي نشر في أكثر من صحيفة كويتية، تعمل الوزارة على عدة محاور إضافة إلى عملية الكشط تلك، من بينها توقيع عقود صيانة جديدة ينتظر أن تستخدم فيها خلطة إسفلتية جديدة مقاومة للظروف البيئية المختلفة، إضافة إلى تمديد عدد من العقود المنتهية وإلزام مقاولي العقود الموجودة في فترة الضمان بإصلاح الخلل الظاهر فيها.

برلمانيا، قرر مجلس الأمة الكويتي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إحالة المخالفات والشبهات التي تضمنها تقرير لجنة المرافق العامة في المجلس بشأن تطاير الحصى؛ إلى هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) لإجراء تحقيق بشأنها.

وكان وزير الأشغال العامة وزير الدولة لشؤون البلدية السابق حسام الرومي قد كلف كذلك لجنة تقصي الحقائق بالتحقيق في أسباب تطاير الحصى بعد الأمطار الأخيرة.

الطرق في الكويت تعاني مشكلات عدة (الجزيرة نت)

بدوره استبعد مصدر مسؤول -رفض ذكر اسمه- في حديث للجزيرة نت "أن ترتب الحلول المتخذة حلا جذريا للأزمة"، مؤكدا على أهمية تكليف جهة بحثية محايدة بدراسة الظاهرة دون تدخل من الجهات ذات العلاقة، سواء أكانت الوزارة التي تبرم العقود أو المقاولين الذين ينفذونها.

ولم تلق الإجراءات الحكومية المعلن عنها قبولا لدى رجل الشارع في ظل استمرار المعاناة، وهو أمر يعبر عنه المواطن أبو عبد الله وصديقه أبو راشد بتأكيد أنهما اعتادا على تطاير حصى الشوارع في وجوههم أثناء القيادة، حتى أصبح هطول الأمطار مرادفا لا محالة لانتشار الحصى في الشوارع.

ويتساءل الصديقان في حدة عمن يعوضهما عن خسائر زجاج سياراتهم الذي يتهشم مرة بعد أخرى، وعن الازدواجية المتمثلة في تحرير رجال المرور مخالفة إذا وجدوا الزجاج الأمامي مكسورا، بينما لم تضع الدولة آلية محددة لتعويض من تضررت سياراتهم من تلك الظاهرة ضمن حزمة تعويضات الأضرار الناجمة عن الأمطار الأخيرة.

المصدر : الجزيرة