سامان عولا.. ملهم المعاقين بأربيل ومرشدهم الروحي

الشاب المعاق سامان أثناء العزف والغناء

عماد الشمري-أربيل

"من أراد النجاح عليه كسر كل أبواب الحزن". هذا هو مبدأ الشاب العراقي سامان عولا (27 عاما) الذي يعاني من إعاقة حركية تسببت بها حادثة دهس قبل نحو 18 عاما، ليحولها إلى طاقة إيجابية غيّرت حياته، وغيّر بها حياة غيره.

لم يستسلم سامان لإعاقته التي أصيب بها عام 2000 حين كان عمره 11 عاما، في مسقط رأسه بقضاء شقلاوة التابع لمحافظة أربيل، والتي حرمته من إكمال طفولته مع لعب الكرة والسباحة وركوب الدراجة الهوائية، وعندما بحث عما يميزه وجد صوته الذي أصقله بدراسة المقامات ليصبح محط الأنظار في محيطه.

اغتنم سامان جمال صوته فوظفه للغناء باللغتين العربية والكردية، وهو الأمر الذي دفعه إليه اعتماده على نفسه من خلال قراءة الكثير من الكتب عن أنواع المقامات وطرق العزف ليكون مطربا وعازفا استطاع لاحقا تصوير مقاطع (فيديو كليب) أبهر بها الكثير، وكان مفاجأة في الوسط الفني، كما أن موهبته الشعرية كانت عاملاً مساعدا في حلبة الغناء والعزف، فخاض غمار المشاركات المحلية في الكثير من المهرجانات ذات المكانة الرفيعة ونجح في ذلك.

‪سامان خلال حديث مع عضو برلمان كردستان ليزا فلك الدين‬ (الجزيرة)
‪سامان خلال حديث مع عضو برلمان كردستان ليزا فلك الدين‬ (الجزيرة)

معاناة
لكن، لا شك أن للمعاناة دورا في يوميات سامان، حتى وإن كانت أقل من المتوقع، لكنه أكد أنه يعاني من بعض الأمور اليومية بسبب إعاقته، لكن ما يسعده ويواسيه مؤازرة بعض أصدقائه ومساعدتهم له، خاصة في تنقله إلى العمل وصعوده السيارة وترجله منها، ولعلَّ صديقه "خضير فاخر" هو الأقرب إليه في هذا المجال، الذي روى لنا مدى تمسكه بمرافقة "سامان"؛ اعتزازا بصحبة الطفولة التي لم تكن حادثة الإعاقة عائقا في إكمالها.

يعبر رفيقه الذي يشاركه وجع الإعاقة تحسين طه حسان عن إعجابه بهمة ونشاط سامان، مؤكدا أنه ورفاقه من المعاقين يعتبرونه قدوة لهم، فينظرون إليه كمحفز للهمم على مواصلة الحياة، رغم كل ما يلاقونه من صعوبات وإحراجات في المجتمع.

اعتماد سامان على نفسه تعدى حدود المواهب وصقلها، حتى استطاع تأمين مصدر رزق له من خلال إتقانه صيانة الموبايل والحاسوب، فتمكن من افتتاح محل خاص به، ليصبح معيلا لأسرته ماديا، وموفرا مصروف احتياجاته، ليجني مبلغا مكنه من شراء سيارة متواضعة. ورغم كل مشاغل العمل وصعوبة الحركة فإنه بنى طموحا آخر بنظرة مستقبلية، فأصر على العودة لمواصلة الدراسة.

لیزا فلك الدین: هذه الأنشطة تبعث روح الأمل في هذه الطبقة من خلال الاقتداء به ومكابرة عثرات الحياة وعدم اليأس، فهي بمثابة دروس متوالية ومهمة لمواصلة الحياة والانخراط في المجتمع

الشعور بالآخرين
اكتفاؤه الذاتي لم يمنعه من الشعور باحتياجات ومعاناة المعاقين الآخرين، فتحرك فيه وازع المسؤولية؛ وبعد جهد كبير أنشأ وترأس جمعية "باوش" لذوي الاحتياجات الخاصة، مدّ من خلالها يد العون للكثير منهم، لا سيما في ظل ضعف الدعم الحكومي والمنظمات الإنسانية لهذه الشريحة، والتي مر بها ولمس مأساتها، وبدأ لاحقا الحصول على دعم من بعض الجهات، خاصة جمعية الهلال الأحمر.

وبين وقت وآخر يقيم سامان مهرجانات يقدم بها ما تعجز عنه الكثير من المؤسسات تجاه المعاقين، وهو ما أكدته عضو برلمان إقليم كردستان لیزا فلك الدین، وهي تتحدث بدهشة عن سلسلة المهرجانات التي يقيمها سامان لأقرانه، قائلة إن هذه الأنشطة تبعث روح الأمل في هذه الطبقة من خلال الاقتداء به ومكابرة عثرات الحياة وعدم اليأس، فهي بمثابة دروس متوالية ومهمة لمواصلة الحياة والانخراط في المجتمع، وقتل الفوارق بينهم وبين الطبقات الأخرى للقضاء على أشواط من الانتقاص المجتمعي.

مرشد روحي
يقول فرهاد خياط، أحد مسؤولي المنظمات المدنية، والناشط بحقوق الإنسان، إن مكانة هذا الشاب بين شريحة المعاقين كمرشد روحي، لا من خلال توفير بعض فرص العمل للآخرين، بل من خلال قيادته لهم وحثهم على المواصلة، معتبرا أن توفير فرص عمل في ظل غزو البطالة للبلاد هو بحد ذاته أمر يجبرك على احترام شخصية كهذه تمكنت من صنع مكانة ووضع بصمة في مجتمع بدا استشراء الفقر فيه واضحا.

المصدر : الجزيرة