مكاتب للسحر والعرافة بالعراق.. وقودها هموم النساء وطموحات الساسة

شخص يحرق "عملا سحريا" وجده في إحدى غرف منزله (الجزيرة)
شخص يحرق "عملا سحريا" وجده في إحدى غرف منزله (الجزيرة)

شذى علوان-بغداد

ساهم مؤخرا تردد مسؤولين وسياسيين كبار على مكاتب السحر والعرافة حفاظا على مناصبهم -كما يؤكد بعض السحرة- على انتشار هذه المكاتب في بغداد والمدن العراقية، ولم تعد أمرا مستورا أو مخفيا عن العيون.

كما تتخذ هذه المكاتب من هموم بعض النساء مصدرا للعمل ومكسبا للمال، وتنتهج الدجل والشعوذة واستدرار العواطف من خلال وعود بزيجة جيدة وعمل مرموق وجمع بعيديْن أو تشتيت قلبيْن، أو حتى تسهيل أمور الإنجاب والمحبة وغيرها.

مقتنيات يعتقد أن لها مفعولا سحريا وجدت في إحدى غرف النوم خلف خزانة الملابس (الجزيرة)

تجربة مريرة
ميادة محمد شابة ثلاثينية تزوجت زميلا لها في الجامعة منذ قرابة عشرة أعوام، لتعيش أسعد أيام حياتها في ظل وجود تفاهم وانسجام شديدين مع زوجها، إلا أن "عملا" دُبّر لها عند أحد السحرة، جعل زوجها طريح الفراش فتحولت حياتها إلى جحيم.

وتتحدث ميادة للجزيرة نت بغصة شديدة عن تجربتها المريرة مع السحر، وتقول إن علاقتها بزوجها وصلت إلى طريق مسدود بعد تزايد المشكلات بينهما حتى على أبسط الأمور، ليتطور الأمر إلى حد الشعور بعدم الرغبة في دخولها غرفة نومها، فضلا عن آلام مستمرة في رأسها.

وبعد استنفادها جميع الحلول، نصحتها صديقة مقربة بالذهاب إلى أحد المتخصصين بأمور السحر، لتكتشف أنها كانت تحت تأثير "روحي" عُمل لها عند أحد السحرة.

وكان هذا "العمل" عبارة عن حجاب وضع أسفل سريرها يحتوي على طلاسم ورسومات يستخدمها السحرة والمشعوذون للتفريق بين المرء وزوجه، ليتضح فيما بعد أن إحدى قريبات زوجها التي كانت تريد الارتباط به في الماضي هي التي وضعته لها في بيتها، على حد قولها.

سحر وُجد في أحد المنازل يحوي طلاسم وقطعة ملابس تعود لامرأة (الجزيرة)

استغلال الأزمات
يقول الباحث في علم الاجتماع مهند قاسم إن "هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، كما أنها لا تخص مجتمعا أو دينا بعينه، فالسحر والشعوذة موجودان في جميع المجتمعات والأديان، وما ساهم في انتعاشهما مجددا هي الأزمات والمشكلات وكثرة الهموم والمصائب التي حلت بالمجتمع مؤخراً".

كل ذلك جعل مكاتب السحر والعرافة ملاذاً لكثير ممن يواجهون مشاكل في حياتهم العامة والخاصة، غير أن الجديد في الظاهرة أنها كانت تقتصر على "الجهلة" وأنصاف المتعلمين في الماضي، إلا أنها باتت اليوم تستقطب نخبا مثقفة وذوي مراكز مرموقة.

أما عن أسباب ارتياد النساء بكثرة لهذه المكاتب فيرى قاسم أن أغلب مرتاديها من الشخصيات "الهشة والمهزوزة داخليا"، التي يسهل التأثير عليها من قبل الآخرين.

ولأن المرأة "كائن ضعيف وتحكمها العاطفة" فإن وعودا بالإنجاب والزواج وكسب قلوب الأزواج والتخلص من شبح العنوسة وغيرها؛ من شأنها أن تشكل عوامل جذب للنساء، بحثا عن "قوة خارقة" تحقق أحلامهن بطرق أسهل وأكثر نجاعة، وفق اعتقاد بعضهن.

أما محاربة مثل هذه الظواهر فتبدأ من الأسرة، وتعتمد على عدة مقومات منها ثقافة النشأة والدين والعادات والتقاليد والأعراف، ومن ثم وسائل الإعلام التي من واجبها إيجاد الحلول لمشاكل المجتمع، كي تنشأ الأجيال في بيئة سليمة ترفض وتنفر من الخرافات والخزعبلات.

المخرج محمد حطاب أثناء تصويره لإحدى حلقات برنامج "من الواقع" (الجزيرة)

في المقابر
محمد حطاب صانع الأفلام الوثائقية ومخرج البرنامج التلفزيوني الشهير في العراق "من الواقع"، تحدث للجزيرة نت عن المخاطر التي حفت كادر العمل معه وهم يسبرون أغوار هذه الممارسات.

يقول حطاب إنهم كانوا يتجولون في المقابر ليلا بحثا عمن يمارسون هذه الأعمال عبر نبش القبور أو الإقامة فيها ليلا، وأن ذلك كان يشكل عامل خوف ورهبة لديهم بعدما رأوه هناك، حتى إن الجهات الأمنية المسؤولة عن مقبرة النجف رفضت الدخول معهم إلى المقبرة القديمة.

ويضيف أنهم حاولوا توظيف البرنامج من خلال عرضه بلا رتوش لتحذير الناس من مغبة ارتياد هذه الأماكن، خاصة بعد اطلاعهم على جزء كبير من أعمال هؤلاء المشغوذين المخالفة للدين والمنطق، والأدوات التي يتم التعامل بها.

وتتمثل هذه الأدوات في جمع أجزاء من أجسام الحيوانات، وصولا إلى ملابس وأغراض المستهدف بالعمل، وهو ما يقود إلى الحديث عن الضحايا الذين سقطوا بسبب هذه الأعمال، لا سيما النساء اللواتي وصل الأمر ببعضهن إلى التورط في أعمال منافية للأخلاق بحجة تحقيق أحلامهن، حسب تعبيره.

مكاتب السحرة
المكاتب العلنية لهؤلاء السحرة احتلت مناطق وسط بغداد وأطرافها من دون رادع ولا رقيب، وأصبحت تشكل خطرا كبيرا على النسيج المجتمعي كما يرى كثيرون، ويمكن أن تسهم في حدوث كثير من الشروخ والأزمات المجتمعية إذا تم السكوت عنها أو تجاهلها.

غير أن ما ساهم في انتشارها وتمددها أكثر مؤخرا هو أن مسؤولين وسياسيين كبارا باتوا يقصدونها حفاظا على مناصبهم في الفترات التي تسبق الانتخابات وتوزيع المناصب الوزارية وغيرها، كما يؤكد بعض السحرة.

وعبر شبكات إلكترونية وفضائيات مساندة استطاع مشعوذون ودجالون الدخول إلى كثير من البيوت لجذب الناس إليهم وإقناعهم بأعمالهم ونتائجها الفورية، بدعم من غطاء توفره لهم جهات تقف وراءها عصابات تابعة لأحزاب وتيارات سياسية، تدير أيضا بارات الخمور وأندية القمار، كما تشير إلى ذلك تقارير أمنية حكومية.

المصدر : الجزيرة