في سويسرا.. يصوتون على قرون البقر

القرون حاضرة هنا من أجل المشاركة في إحدى مسابقات الثيران التقليدية في سويسرا (رويترز)
القرون حاضرة هنا من أجل المشاركة في إحدى مسابقات الثيران التقليدية في سويسرا (رويترز)

انتقلت الأبقار السويسرية من الزراعة إلى السياسة، ومن الحظائر إلى صناديق الاقتراع، حيث يصوت الناخبون في سويسرا -يوم الأحد المقبل- على مبادرة تدعو إلى تشجيع المزارعين هناك على ترك قرون أبقارهم بمنحهم حوافز مالية.

وتكشف المبادرة -التي سيصوت عليها الناخب السويسري- عن اختلاف الصورة الذهنية بشأن الأبقار السويسرية والنعيم الذي ترفل فيه، بحسب ما تظهر صورة تلك الأبقار في كتيبات الدعايات السياحية السويسرية وعلب الشكولاتة الفاخرة التي تحمل صور أبقار ضخمة بقرون وخلفها مزارع خضراء تخطف الألباب باعتبارها رمزا من رموز سويسرا.

والواقع يقول إن صورة تلك الأبقار السياحية ذات القرون تختلف عن واقع أبقار الحظائر المنزوعة القرنين، وما بين الحفاظ على قرون الأبقار وإزالتها تباين في الآراء حول عناوين كثيرة، منها الرفق بالحيوان والعبء المالي على المزارعين.

وتقول منظمة حماية الحيوان السويسرية إن تسعة أعشار الأبقار لم تعد لديها قرون، كما أن الأمور ليست أفضل بكثير للماعز، وإن نزع قرون البقر يتم وهي عجول صغيرة لم تتجاوز عمر الأسابيع الثلاثة؛ وتذكر أن الدافع إلى ذلك هو الاعتقاد بأن هذا ضروري للحفاظ على سلامة الحيوانات ووقايتها من الإصابات والجروح ومن إيذاء بعضها بعضا في الحظائر الشديدة الازدحام.

نزع القرون يجري للعجول في أسبوعها الثالث (رويترز)

من أجل قرنيك
صاحب المبادرة التي يصوّت عليها الناخبون بعد أيام هو أحد صغار المزارعين في مرتفعات الألب السويسرية، ويدعى أرمين كبول، وقد أطلق قبل خمس سنوات حملة للسماح للأبقار والماعز بالاحتفاظ بقرونها.

يرى كبول أن نزع قرون هذه الحيوانات يفقدها كرامتها، ويعرضها على المدى الطويل للمعاناة من آلام الأطراف الوهمية التي يشعر بها من تم بتر طرفه.

وأنفق كبول (64 عاما) مكافأته التقاعدية على تلك المبادرة، واستطاع جمع حوالي 120 ألف توقيع -أي أكثر بمقدار 20 ألف توقيع من العدد اللازم لإجراء التصويت- في ظل قواعد ما يسمى في سويسرا  بـ"المبادرة الشعبية".

ويصف مراسل موقع "سويس إنفو" السويسري مزرعة صاحب المبادرة التي زارها، قائلا إنها مزرعة جبلية تقع على ارتفاع 930 مترا في جبال جورا قرب بلدة موتييه، وهناك يرعى كبول وزوجته كلوديا وأحد أبنائهم، ثماني بقرات وعشرة عجول وثورا، إلى جانب عدد من الماعز والأغنام والحمير والدجاج وكلبين من كلاب الرعاة وخمس قطط، وسط مناظر طبيعية خلابة بين المروج والغابات.

ونقل الموقع عن كبول قوله إن "هؤلاء الذين يؤمنون بأن إزالة القرون هي الشيء الصحيح، ينبغي السماح لهم بمواصلة القيام بهذا"، ويهدف كبول وحلفاؤه بدلا من ذلك إلى إعادة توزيع الإعانات الزراعية الحالية، بحيث يتوجه جزء منها إلى المزارعين الذين يحفظون قرون أبقارهم.

ولا تحدد المبادرة -التي أطلق عليها اسم "البقرة القرناء"- مبلغا معينا للمزارع الذي يحفظ لأبقاره قرونها، لكن كبول يقدر هذا المبلغ بخمسمئة فرنك سويسري (خمسمئة دولار) لكل بقرة سنويا، ومئة فرنك لكل رأس ماعز.

ويضيف أن هذا المبلغ "يجب دفعه مباشرة للمزارعين الذين يحفظون لحيواناتهم قرونها، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنهم بحاجة إلى مساحة أكبر في حظيرة مفتوحة، وبالتالي فلا يمكنهم الاحتفاظ إلا بعدد أقل من الحيوانات، ومن شأن إجمالي المبلغ أن يصل إلى 25 مليون فرنك، بحسب تقديرات صحيفة "المزارع السويسري".

ويولي كبول العواطف مكانة خاصة، ويحرص دوما على أن يربت على ظهر بقراته ويرقص أمامها في بعض الأحيان، ويقول "إن المشاعر تلعب دورا رئيسيا في التعامل مع الحيوانات".

ويؤكد أن البقرات تعجب برقصه، وعند تنظيف حظيرتها فإنه يشغل لها موسيقى فرق الروك البريطانية "البيتلز" أو "بينك فلويد" أو "ديب بربل".

وهو يتوقع أن تصوت معظم النساء السويسريات لمبادرته، قائلا إن "النساء ببساطة لديهن شعور أكبر للحيوانات، وأي شخص يريد أن يمنع انتصارنا فعليه أولا أن يلغي مجددا حق المرأة في التصويت"، في إشارة منه إلى اكتساب المرأة السويسرية حق التصويت في الانتخابات الاتحادية عام 1971.

وينصح صاحب المبادرة الذين يريدون أن يكون لهم رأي جدي في النقاش بـ"لمس قرن بقرة لمرة واحدة فقط، ليكتشفوا أنه دافئ نتيجة للدم الذي يتدفق فيه، فهو ليس زائدة ميتة"، ويقول إن "حرق قرون الأبقار الصغيرة السن للتخلص منها باستخدام مكواة لحام المعادن، يؤذي البقرة طوال عمرها، كما أن ذلك يضر بجودة الحليب واللحوم أيضا".

 أبقار سويسرا موضوع حسد آدميين كثيرين حول العالم (رويترز)

صيفا وشتاء
وتأبى أبقار سويسرا -التي يغبطها الكثير من الآدميين في بقاع أخرى من العالم على ما هي عليه- إلا أن تجذب الأنظار إليها شتاء، كما جذبتها صيفا خلال موسم الجفاف.

ففي أغسطس/آب الماضي وبسبب موجة الحرارة والجفاف التي اجتاحت أغلب أرجاء أوروبا، لجأت سويسرا إلى طائرات مروحية تابعة للجيش لنقل المياه إلى آلاف الأبقار العطشى، وتم تخصيص رقم خاص للمزارعين للاستفادة من هذه الخدمة.

وخلال موجة الحرّ والجفاف، نقلت مروحيات من طراز "سوبر بوما" الماء في حاويات بلاستيكية حمراء كبيرة إلى مزارع في سفوح جبال جورا وجبال الألب. وقالت السلطات إن نحو أربعين ألف بقرة ترعى بالصيف في مراع مرتفعة بولاية فو كانتون غرب سويسرا، وتحتاج كل منها إلى ما يصل إلى 150 لترا من الماء يوميا.

كما نقل الجنود المياه بالمروحيات إلى مناطق الرعي النائية، كبلدة "شينيس" (حوالي 60 كلم جنوب شرق مدينة زيوريخ).

موقف سويسرا وجيشها مع أبقارها صيفا أصاب كثيرين بالحسرة على حال أوطانهم، فغردوا أسى وألما وحسدا للأبقار؛ فترى كيف سيغردون بعد اقتراع "قرون البقر"؟

المصدر : الجزيرة