شاهد.. صانع تقليدي مغربي "سفير فوق العادة"

الصانع التقليدي والخطاط عزيز مشاشتي (الجزيرة)
الصانع التقليدي والخطاط عزيز مشاشتي (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

اختار الصانع التقليدي عزيز مشاشتي أبختي واحة النخيل الهادئة بمدينة مراكش مقرا لعمله الإبداعي في ركن قصي بها ينحت ويرسم على قطع النحاس حروفه الأبجدية ممزوجة بزخرفات تراثية ليخرج من يديه تحفا فنية مبهرة.

يبدأ عمله كل صباح حين ترسل الشمس خيوطها الأولى على السعف المتراخية كأنها تنصت إلى طرقات المسمار المتناغمة على "الصينية"، كموسيقى ساحرة.

وتبلغ هذه الأصوات ذروتها في التناسق حين تصبح السماء نحاسية وكأنها قطعة معدن تلتهب لتلين كما تلين القطعة بين يدي عزيز، فيسري الدفء في جسم هذا الصانع مثيرا خلفه لهفة الحياة وروعة مشاعر الإبداع.

الصانع التقليدي والخطاط عزيز مشاشتي يخط حروفا أبجدية على لوحة فنية (الجزيرة)


حرفتي حياتي

حين يعمل عزيز على قطعة النحاس، يخيم سكون على ملامحه يخفي عاصفة في نفسه يحاول جاهدا أن يخطف منها نسمة ليسرح بخياله بعيدا. يخيل لك أنه دخل في محراب عبادة أو سجود طويل، وبعد الانتهاء من كل تفصيلة دقيقة في عمله ينتبه إلى من حوله.

يعتز عزيز بلوحاته، ويظهر إحداها ليشرح عليها عمله، يقول إنه يبحث عن النحاس الأصلي في أواني الحمامات التقليدية، وأن حرفته هي حياته وأنه يجلس لأكثر من ست ساعات متواصلة وهو يخط أو ينحت، وقد تستغرق منه تحفة فنية شهورا.

ذاكرة الطفولة
يتذكر هذا الصانع التقليدي والخطاط بكثير من الألم خلال حديثه للجزيرة نت كيف اضطر إلى مغادرة فصول الدراسة، ليلتحق بورشة للصناعة التقليدية وهو في سن السادسة. ويشدد على أنه مهما يمكن أن يتلقى طفل من مهارات في مثل هذه الورشات، فإنه حرمانه من مقعده الدراسي أمر فظيع.

شغفه بالعلم والتعلم جعله يداوم على البحث عمن يعلمه الحروف الأبجدية خارج أسوار المدرسة التي كان يزورها ضيفا بين الحين والآخر، تلك الحروف التي ستصبح فيما بعد زاده لأجل كسب قوت يومه، وأيضا تفوقه في مهنته.

حين تسأل عزيز عما يميزه، يبتسم قبل أن يجيب أنه عابر سبيل في هذه الحرفة، مستطردا أنه يحاول أن يخرج الصانع التقليدي من قوقعته ويصل به إلى العالمية.

التراث المغربي
الخطاط والباحث في علوم الخط الدكتور محمد البندوري يعتبر عزيز من بين المبدعين المغاربة الكبار الذين خلفوا بصمة قوية في التراث المغربي وأضفوا إليه معنى محليا ثقافيا وفنيا وجماليا.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن أصالة هذا الخطاط والفنان التقليدي دفعته للتفاعل بروحه ووجدانه مع التراث الحضاري المغربي الإسلامي، فأبان عن مهارات فائقة وقدرات خارقة، حيث تبدت تجربته الرائدة والغنية في مجال الحروفيات (العمل على الحروف) وفن الخط العربي جلية في إنتاجاته وإبداعاته التي يشهد برونقها وعذوبتها القاصي والداني.

 الصانع التقليدي والخطاط عزيز مشاشتي يخط إحدى لوحاته (الجزيرة)

خط ونحت
يطبع أعمال عزيز إيقاع الحروفيات والزخارف والمنمنمات العربية الأصيلة، ويمزجها بروح الخط العربي بأساليب حديثة، يضيف البندوري.

كما ترتكز على علامات ورموز من التراث المغربي خاصة الخلالات (زخرفة أمازيغية مشهورة تستعمل في الحلي)، ومن الحرف العربي في ثنائية تبدأ من عملية البناء وتفضي إلى مسلك إبداعي مغربي بديع.

لذا تجد عزيز خلال عمله، يستطرد المتحدث ذاته، يسبح بروحه الإبداعية في المثل والقيم التي يكشف عنها المنحى الدلالي لأعماله، علما أن إنتاجاته في مجملها يحكمها الالتزام بالضوابط الحروفية.

عزيز يتذكر جيدا حكايته مع الخلالات، فقد رآها أول مرة في حلي نسائي وهو في سن صغيرة، وانبهر بها، ورسمها على قطعة نحاسية نالت إعجاب كل من رآها، قبل أن يدخل عالمها ويبتكر 23 شكلا جديدا للخلالة جمعها في صينية، وكون بها تحفة فنية.

توريث الحرفة
ينظر عزيز إلى لوحاته الفنية بكثير من الإعجاب، لكن حين يتحدث عن الخلف تحس أن شيئا ما يحز في نفسه. يقول إنه حاول نقل هذه الحرفة إلى ولده، لكن هذا الأخير اختار طريقا آخر وذلك من حقه، يروي ذلك متألما قبل أن تنفرج سريرته قليلا بعد أن يتذكر أن أحد تلامذته في هذا الفن نال الجائزة الوطنية للصناعة التقليدية هذا العام.

رغم ذلك فإن عزيز يحاول جاهدا أن يتجلى فنه في ابنه البار، يشجعه على أن يكون خطاطا مثله. يقول البندوري، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صدقه في أداء رسالته التراثية ويحاول أن تمتد في الزمن. إن تجربته ومراسه يقودانه إلى عوالم الامتداد في الزمن والوجود لأنه صاحب رسالة فنية وثقافية وتراثية.

سفير القارات
يعتبر هذا الصانع الذي نال شهرة واسعة، سفير المغرب في كل الدول في كل القارات، ينشر الفن المغربي الأصيل والصناعات الحرفية المدججة بالخط وبكل مقومات التراث المغربي.

يقول عنه البندوري إنه رجل معطاء يشتغل في صمت ويشتغل بحرفية ومهنية وبأساليب مغربية بحتة.

 صورة لآنية نحاسية تظهر فيها خلالات من إنجاز الصانع التقليدي والخطاط عزيز مشاشتي (الجزيرة)

دفتر الذكريات
يقلب "دفتر الذكريات الجميلة" الزاخر بالمقالات والصور في كل معارض العالم، التي وصلت إلى حوالي 170 معرضا. يحكي عزيز أن من عادته حينما يزور معرضه شخصية مشهورة في مشاركاته خارج المغرب، أن يجلسه مكانه ويعلمه كيف يستعمل المطرقة والمسمار في النحت، فيصبح ذلك حديث الصحف في تلك الدولة.

ومن أبرز الشخصيات التي لاقاها في مشواره الأمير ألبير، أمير موناكو، والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، والرئيس جورج فرناندو سامبايو رئيس البرتغال العشرون 1996-2006، ولاعب الكرة الأرجنتيني الشهير مارادونا.

حين يتجول الزائر في لوحات عزيز، يجد تناسق الألوان وشكلية مزج الحروفيات والدوائر والمربعات والمستطيلات وفق رموز وعلامات أيقونية تجسد التجاور والتمازج والتماسك، الذي يصنع التوازن بين كل العناصر المكونة لمنتجاته ومنجزاته الخطية والفنية.

المصدر : الجزيرة