"تاكسي" مجاني.. مبادرة إنسانية لنقل المرضى بالمغرب

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

"تاكسي" مجاني.. مبادرة إنسانية لنقل المرضى بالمغرب

سناء القويطي-الدار البيضاء

يقترب المغربي عزوز أوتشيموح من إحدى سيارات الأجرة المركونة بمحاذاة المستشفى الجامعي للأطفال عبد الرحيم الهاروشي بالدار البيضاء. يتوقف عند إعلان مثبت على زجاجها، يبتسم بخفوت وهو يقرأ بتمهل "مبادرة إنسانية لسائقي سيارات الأجرة لنقل المرضى مجانا".

يستعيد بعضا من قوته ليقول بدهشة لسائق السيارة "هل يمكن نقلي مجانا إلى بيتي رفقة ابنتي المريضة بالفشل الكلوي؟" تنفرج ملامحه الغائمة للحظات عندما يتلقى جوابا بالإيجاب.

آثار الدهشة التي بدت على ملامح عزوز وابنته تلاشت لدى مرضى آخرين، بعد أكثر من شهر على إطلاق سائقي سيارات الأجرة الصغيرة بالدار البيضاء مبادرة إنسانية لنقل مرضى مستشفى الأطفال عبد الرحيم الهاروشي والمستشفى الجامعي ابن رشد بالمجان كل يوم اثنين.

داخل سيارة الأجرة، يحكي عزوز أوتشيموح للجزيرة نت معاناته للوصول إلى المستشفى رفقة ابنته ذات الأربعة عشر ربيعا، من أجل جلسات غسيل الكلى. يقول ووجهه يمتلئ عرقا إنه يضطر لأخذها ثلاث مرات أسبوعيا للمستشفى على متن حافلات مكتظة وغير مكيفة في رحلة عذاب طويلة تصل بعدها إلى البيت خائرة القوى ومنهكة.

ووجد هذا الرجل المثقل بالهموم في مبادرة التاكسي المجاني بعض العزاء ونقطة ضوء في حياته التي تحالف عليه فيها المرض والفقر والبطالة.

غير بعيد، بدت هدى الخلدوني بدورها متفاجئة من مجانية النقل، فهذه الأم الشابة اضطرت لركوب حافلة متهالكة وسيارة أجرة للوصول إلى المستشفى من أجل إجراء تصوير مقطعي لرأس ابنتها التي لم تكمل عامها الثاني. 

وفي طريق العودة إلى بيتها الذي يبعد مسافة 20 كيلومترا عن المستشفى، تسرد هدى للجزيرة نت ظروفها المادية الصعبة ومعاناتها مع وسائل النقل. تتطلع إلى رضيعتها بصمت ثم تحكي كيف تقضي وقتا طويلا تحت أشعة الشمس وهي تحمل صغيرتها على ظهرها في انتظار الحافلة. وترى في مبادرة التاكسي المجاني رسالة إيجابية تنبئ بأن الخير والإنسانية لا ينقطعان في المجتمع المغربي.

مرضى يستعدون لركوب التاكسي المجاني أمام مستشفى عبد الرحيم الهاروشي للأطفال (الجزيرة)

فكرة فمبادرة
ولدت فكرة التاكسي المجاني في ذهن السائق إبراهيم بيكي، بعدما عاين بحكم عمله معاناة مواطنين مرضى بسبب قلة وسائل النقل. تقاسم إبراهيم الفكرة مع زملائه في إحدى مجموعات التواصل الخاصة بالمهنيين، ودافع عنها بحماس واستماتة فلقيت تجاوبا سريعا ودعما من الكثيرين.

يقول السائق الشاب للجزيرة نت وعلامات الرضا بادية على وجهه بعدما صارت فكرته واقعا ملموسا تطمح للانتشار في مدن أخرى "أردنا القيام بمبادرة عملية للتخفيف من معاناة المرضى وخاصة المعوزين".

ومع اقتراب وقت الظهيرة من يوم الاثنين، ينهمك إبراهيم وبعض زملائه في مساعدة رجل الأمن على تنظيم الشوارع المحاذية لمستشفى الأطفال لتجنب عرقلة السير، وفي الموعد المحدد تتوافد سيارات الأجرة المنخرطة في هذه المبادرة تباعا وتصطف على جانبي الطريق في انتظار ركابها.

وشارك حوالي 45 سائقا في اليوم الأول للمبادرة بحسب إبراهيم، وبعد شهر من انطلاقها وصل العدد إلى 140 وما زال مرشحا للارتفاع.

ولم يكن اختيار يوم الاثنين لنقل المرضى مجانا محض صدفة عابرة، بل إن الحركة الكبيرة التي تعرفها المستشفيات في بداية الأسبوع وراء ذلك. ويُنقل المرضى في ساعات الذروة وعلى مرحلتين على الساعة الثانية عشرة ظهرا والخامسة مساء.

ويسعى السائقون -بحسب إبراهيم- إلى المصالحة مع المواطنين وتغيير الصورة الذهنية التي ترسخت لدى سكان العاصمة الاقتصادية بسبب تصرفات بعض زملائهم غير اللائقة، وبعد معركة ضارية خاضوها ضد تطبيق "أوبر" منذ أشهر والتي انتهت بانسحاب الشركة المسؤولة عن التطبيق من المغرب.

سائق تاكسي ينقل طفلة بعد استكمال علاجها مع أسرتها إلى منزلها (الجزيرة)

الفكرة تنتشر
واقتنص سائقو سيارات الأجرة بالرباط الفكرة، وبادروا أيضا إلى نقل المرضى مجانا من مستشفى سيدي محمد بن عبد الله لعلاج السرطان نحو مختلف وجهاتهم بالمدينة.

ويقول يونس الباي وهو أحد المشاركين في هذه المبادرة إن تجاوب سائقي سيارات الأجرة مع الفكرة في يومها الأول فاق التوقعات، إذ بلغ عددهم 85 سائقا نقلوا حوالي 140 مريضا.

ولم يصدق المرضى بعد خروجهم من مواعيدهم الطبية مجانية النقل بسبب المشاكل التي تعرفها العاصمة في مجال المواصلات خاصة في ساعات الذروة.

وتعهد السائقون الذي رأوا الامتنان والفرح في عيون الركاب بالحفاظ على هذا التقليد الأسبوعي الذي من شأنه تخفيف بعض الأعباء المادية عن المرضى المعوزين.

بفخر واعتزاز، يتابع إبراهيم بيكي فكرته وهي تتمدد خارج الدار البيضاء، يتصل بزملائه في الرباط ليطمئن على سير العملية وحجم التفاعل معها، آملا أن تزيد توسعا لتشمل المستشفيات في جميع المدن المغربية وفي العالم العربي.

المصدر : الجزيرة