تونس.. لمسات عامل نظافة تحوّل النفايات لأعمال فنية

مجسمات على شكل حيوانات مصنوعة من النفايات (الجزيرة)
مجسمات على شكل حيوانات مصنوعة من النفايات (الجزيرة)

منيرة الحجلاوي-تونس

غير مبال بإرهاق سبع ساعات من شغله كعامل نظافة يجلس كمال الزغيدي في ورشته جاثيا على ركبتيه أمام منحوتته الجديدة يُلصق الورقة فوق الأخرى بعناية وانتباه شديدين.

يقول كمال -الذي اختار "الصّخيرية" اسما لمجسّمه الجديد على شكل امرأة تمتهن غزل الصوف- إنّه أرادها إهداء لروح جدته التي كانت تمتهن حرفة الصناعات التقليديّة وألهمته صناعة هذا المجسّم.

قبل الذهاب إلى مقر عمله ببلدية محافظة المنستير بالساحل التونسي، ينهض كمال باكرا قبل السابعة صباحا بساعتين يلقي فيهما نظرة على "الصّخيرية" فلا يهدأ له بال قبل أن تداعب يداه مجسّمه، وتمتزج أصابعه باللّصق والطلاء وبالورق الذي جمعه سابقا من حضائر البناء.

متأمّلا منحوتته بكلّ فخر، يشرح كمال للجزيرة نت مراحل تحويل النفايات إلى لوحات فنية مبهجة، فبعد جمعها وفرزها بنفسه تأتي مرحلة تجسيم الهيكل يليها تركيب الأوراق ثمّ أخيرا مرحلة الطلاء والتلوين.

يشبّه كمال عمليّة تلوين المجسّم بتزيين العروس وإخراجها في أبهى حلّة، حيث إن الألوان الزاهية التي يختارها تضفي روحا جديدة على منحوتته حتى أنّ الناظر إليها لا يصدّق أنها صُنعت من نفايات.

علاقة خاصة تربط كمال بمجسم الصخيرية (الجزيرة)


النحت والتنظيف
مهنته كعامل نظافة تتكامل مع هوايته كنحّات، إذ وجد فيها ضالّته مما تيسّر من المواد التي يحتاجها في النحت كالورق والحديد والبلاستيك والنّحاس والأقمشة، يجمعها وهو في طريقه للعمل أو طريق العودة للورشة.

يشتغل كمال (40 سنة) عامل نظافة يجمع النفايات في الشوارع والأحياء، مهنةٌ يزدريها الكثيرون في تونس، إلا أنه اختارها برغبة داخلية منه ليثبت للجميع أن النظافة ثقافة مجتمعية ومسؤوليّة الجميع.

يبدو سعيدا بما حققه للآن، ويعتبر نفسه نجح ولو بجزء صغير في تغيير الصورة النمطية الدونية لعامل النظافة وذلك بانضباطه وتفانيه في عمله ومظهره الخارجي اللائق وجانبه الفني الإبداعي.

يصف الاحتفاء الكبير الذي لاقاه والابتسامة لا تفارق محيّاه، يشدد على أن ردة الفعل الإيجابية من قبل مواطنين عاديين ومجتمع مدني وحتى سلطة محلية ومواقع تواصل ثمرة مجهوده الفردي وعشقه اللامحدود لهوايته.

لا يمرّ يوم عليه دون أن يهرول راكضا إلى ورشته بعد انقضاء ساعات عمله في التنظيف، فاشتياقه لمنحوتاته ينسيه تعب اليوم ومشاقّه، يُشبّه علاقته بها بعلاقة الأب بأبنائه يخاطبها بصمت وبلغة الألوان.

مجسم أراد من خلاله لفت النظر لأهمية عمال النظافة (الجزيرة)

ليست للبيع
ورغم وضعه الاجتماعي الصعب حتى أنه غالبا ما يستغلّ أجره الزهيد في اقتناء بعض المواد الأولية التي لا تتوفر في النفايات، إلا أنه رفض دعوات البعض إلى تحويل النحت لمشروع تجاري فهوايته ليست للبيع، وفق تعبيره.

رفض يراه كمال طبيعيا فالنحت بالنسبة له ليس مشروعا يجني من ورائه الأموال، إنّما هو فسحة فنية ثقافية يلجأ لها ليثور على مصاعب الحياة ويبعث من ورائها رسائل للمواطنين بضرورة المحافظة على نظافة بيئة تونس.

روح إيجابية ونظرة متفائلة يتحلّى بها كمال، يوجّه من خلالها رسائل أمل إلى الشباب العاطل عن العمل يشجّعه على المبادرة وعلى البحث في دواخله ومكامنه عما يعشق ويجسّده على أرض الواقع بأقلّ إمكانيات.

مبادرة كمال في إعادة استخدام النفايات لا تعدّ الأولى من نوعها، غير أنّها تُعتبر -حسب الخبير الدولي في البيئة والتنمية المستدامة عادل الهنتاتي- فردية وضيّقة جدا بالنظر إلى كمية النفايات المنزلية في البلاد والتي تناهز 3 ملايين طن سنويا.

الهنتاتي شدد على أن الدولة لم تنخرط بالقدر المطلوب في تثمين النفايات التي تُعد مصدر ثروات بعض الدول، حيث لا يتم سوى إعادة تدوير حوالي 2% فقط من مجموع النفايات، وقرابة 3% بالنسبة لمادة البلاستيك لوحدها.

ورغم الاحتفاء الكبير الذي لاقاه، يتطلّع كمال إلى أن يشمل هذا الترحاب كافة عمال النظافة في البلاد، وأن يتخطى المجتمع الحكم على الآخر من خلال مهنته أو مظهره الخارجي أو وضعيته الاجتماعية.

المصدر : الجزيرة