لأول مرة بتونس.. الروح تعود للسيارات الكلاسيكية النادرة

إعادة تهيئة وترميم السيارات الكلاسيكية وتصديرها لأول مرة بتونس (الجزيرة)
إعادة تهيئة وترميم السيارات الكلاسيكية وتصديرها لأول مرة بتونس (الجزيرة)
 أسماء بن بشير-تونس

بيدين تتلمسان برفق بقايا قطع غيار صدئة، نافثا غبار العربة المتهالكة قدما يعلو صوت مراد السويح صاحب هذه الورشة القابعة في فضاء الأنشطة الاقتصادية بجرجيس (جنوب شرقي تونس) طالبا من العمال شد هممهم والتركيز من أجل إعادة هذه المرسيدس إلى حالتها الأولى وهي البالغة أكثر من خمسين عاما.

تعتقد للوهلة الأولى أنه مجرد محل لإصلاح السيارات، وما إن تمعن النظر في أرجائه حتى تكتشف أنك تتجول في ورشة تضم نفائس نادرة لسيارات كلاسيكية فاخرة بين مرسيدس وجاغوار وفولكسفاغن وبورش، وسط فريق من العمال كل حسب اختصاصه يعملون بدقة وحذر كبيرين.

بعد الانتهاء من الترميم والتجديد (الجزيرة)
العشرينيات
ويفسرون ذلك بأن ما يقومون به هو فن كفن ترميم العمارة يحتاج لدقة وإتقان حتى تعود السيارة لعهدها الأول، فتلك السيارات تطوف بك في عشرينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وتطوف بذاكرتك مشاهد لنجوم تلك الفترة بأناقتهم وهم يقودونها كما في أفلام الأبيض والأسود.

موديلات سيارات تنتظر هناك إعادة إصلاحها وترميمها لتصديرها من جديد، وهي القادمة من ألمانيا والنمسا وفرنسا، في انتظار أخرى من الولايات المتحدة تبحث عن عودة الروح.

هوس
مشروع هو الأول من نوعه في البلاد لصاحبه مراد السويح (49 عاما) ولد في تونس وترعرع في ألمانيا، درس الاقتصاد وعمل في شركة لتصنيع قطاع غيار السيارات.

السويح المهووس بجمع السيارات القديمة كهواية سرعان ما تحولت لفكرة مشروع قرر بعد الثورة مغادرة ألمانيا والعودة لوطنه لتحقيق حلم طالما راوده.

حلم يقول عنه متنفسا الصعداء: الحمد لله تحقق وبدا المشروع بخطى ثابتة منذ سنة بعد مصاعب جمة لم أكن لاجتازها لولا العزم والإصرار.

حصل على ترخيص المشروع من وزارة الصناعة، لكنه واجه رفضا من الجمارك وتم حجز معدات قدرت بـ 300 ألف يورو لمدة سنتين بالإضافة إلى سيارات كلاسيكية عهد بها أصحابها لصاحب المشروع. وواجه السويح البيروقراطية وتعقيداتها الإدارية وعرف بخصوصية مشروع تجهله الإدارة التونسية، ورغم تعرض معداته للسرقة فإنه لم يتراجع.

اقنع السويح عملاءه الألمان حتى يتجلدوا بالصبر معه وبأن سياراتهم أمانة في عنقه وسيعيدها لهم كما يحلمون، ولم يرفع راية الاستسلام وأصر وثابر على حد تعبيره.

موديل كلاسيكي بعد التجديد (الجزيرة)

وبعد أن كان مقررا أن يستقر بالمشروع في مسقط رأسه مدينة سوسة، أبلغته السلطات بأنه لا مكان لمشروعه هناك، وأن عليه التوجه للجنوب وتحديدا مدينة جرجيس.

جرجيس لم يعرفها السويح لكنه اليوم سعيد أن القدر اختار له هذه المنطقة التي رحبت به، وتنتظر قطار التنمية وتترقب مشاريع تدير العجلة الاقتصادية.

فكان هذا المشروع الأول من نوعه في تونس يأتي بكنوز أصحابها من أولئك الذين يجمعون أقدم الموديلات وأندرها ويبعثون بها إلى جرجيس لتكون بين يدي السويح وفريقه، فيعدون تهيئتها وتركيبها لتصبح قطعة فنية نادرة تسر الناظرين.

يضم فريقه 30 عاملا من المختصين في تركيب السيارات وإصلاحها وقد خضعوا لدورات تدريبية على يد السويح فـ "هذه المهنة ليس صناعية فحسب بل فنية تحتاج للكثير من التقنيات إلى جانب البحث والتدقيق".

فأنت تعيد سيارة متهالكة -التهم جزءا منها صدأ السنين- إلى حالتها الأولى سنة 1920 بكل تفاصيل وتقنيات تلك الحقبة، هكذا يقول.

في هذه الورشة تتحول سيارة تقدر بـ 20 ألف يورو إلى أخرى بأكثر من 100 ألف في مدة زمنية لا تتجاوز 6 أشهر كحد اقصى.

مراد السويح بجانب سيارة ستروان قام بترميمها (الجزيرة)

هدف يسعى السويح لتحقيقه من أجل استمرارية مشروعه وكسب ثقة زبائنه الأجانب الذين يثمنون عمله ويدفعون ما يستحقه، وما يجعل هذه المؤسسة محافظة على استمراريتها.

استمرارية وتجذر في الساحة الاقتصادية يواجهه السويح دون أي دعم أو تسهيلات من الجانب الحكومي، في وقت تسعى عدة أطراف أجنبية لتطوير المشروع ودعم صاحبه.

فالسوق التونسية ما تزال تتلمس الخطوات الأولى في مجال إعادة تصنيع السيارات الكلاسيكية النادرة، وترميمها وتصديرها لموطنها الأصلي بأياد تونسية.

صاحب المشروع استثمر في بلاده ولم تثنه المصاعب والعراقيل، وتشبث بالفكرة وبالأرض رغم كل الإغراءات المقدمة من دول أخرى لاستقبال هذا المشروع، يقول للجزيرة نت "وجدت تشجيعا وتسهيلات كبرى في المغرب لكني رغم كل الإغراءات تشبثت بالعودة لتونس وأن يكون المشروع في بلدي رغم كل الصعوبات".

بعد الترميم من الداخل (الجزيرة)

الاقتصاد
ويكشف السويح للجزيرة نت عن مشروعه المستقبلي فهي "صناعة سيارة تونسية مائة بالمئة، وأنا متيقن من قدرتنا على فعل ذلك لأن لتونس كفاءات قادرة على تحقيق هذا الهدف، وكل ما يجب توفره هو الإيمان بقدرات هؤلاء الشباب ودعمهم".

يصف الخبير الاقتصادي رضا اشكندالي المشروع بأن "من شأنه أن يساهم في توفير مواطن شغل خاصة بالجنوب الشرقي المصنف منطقة مهمشة تحتاج لمثل هذه المشاريع".

كما أن مثل هذا المشروع يساهم في التعريف بالجنوب ويشجع مستثمرين آخرين لبعث مشاريعهم في هذه الربوع التي تطالب بالعدالة التنموية، وهو مطلب أساسي قامت لأجله الثورة التونسية.

ويشدد الخبير الاقتصادي على أن مزايا مثل هذا المشروع تمتد للاقتصاد ككل، لأنه مصدر هام للعملة الصعبة من خلال التصدير في وقت تعاني فيه تونس تراجعا في احتياطيها.

هذا بالإضافة إلى المساهمة في دعم السياحة وتوفير مصدر آخر للعملة الصعبة، فأصحاب هذه السيارات يزورون تونس لمعاينة عرباتهم قبل إعادة تصديرها، مما يستقطب سياحا للبلاد.

المصدر : الجزيرة