وائل.. فتى سوري يختزل الحرب في جسده

وائل المعضماني يعيش طريح الفراش بعد أن أصابته رصاصة في عموده الفقري بداريا السورية (الجزيرة)
وائل المعضماني يعيش طريح الفراش بعد أن أصابته رصاصة في عموده الفقري بداريا السورية (الجزيرة)

محمد نور-عمان

كنت أرقص كعصفور صغير فاردا جناحي طربا يوم دخلت مدينتي داريا في الشهر الثاني من عام 2013، ولم لا؟ لقد رأيت محبوبتي "داريا" التي أبعدت عنها قسرا أكثر من 17 شهرا يوم قررت عائلتي الهرب بي خوفا من جحيم الموت في أواخر عام 2011.

في ذلك اليوم الذي لم يناهز فيه عمري الخامسة عشرة، دخلت داريا لأحضر بعض الحاجيات لعائلتي التي نزحت إلى أطراف مدينة جديدة عرطوز المجاورة. دخلتها دون علم أمي، كنت أرغب بتبديد شكواها من نقص بعض حاجياتنا في بيت نزوحنا الهزيل.

قال لي صديقي: وائل، طريق الأربعين أغلق ولا يمكنك الخروج من داريا في الوقت الراهن. كان لتلك الكلمة وقعها المؤلم في قلبي، وأنا الذي لم أغب يوما عن حضن أمي. مرت بي الأيام عقودا فأصبحت التواريخ في حياتي مسامير تدق جسدي النحيل.

الأول من رمضان عام 2013 قبيل غروب الشمس. أمتار بين بيتي والشارع الذي أقطعه تجاهه حولت مجرى حياتي كليا.

"أمسك السيخ، أمسك السيخ"، صوت قادم من مكان بعيد، أقاوم عينيّ فأفتحهما مشوشتين لأرى سيخا بالقرب مني، لم أتمكن من الإمساك به، فلا شيء في جسدي يتحرك سوى عيني..

رصاصة قناص
طلقة قناص استقرت في عمودي الفقري جعلتني طريح الفراش عشرة أشهر بلياليها المليئة بغبار المعارك والقصف القريب مني، داخل قبو مشفى داريا الميداني الذي كان عاجزا عن مساعدتي.

عشرة أشهر لم أرَ فيها عيني أمي ولا شمس داريا.

في الشهر الخامس من عام 2015، تمكن ثوار داريا من إخراجي من قبري إلى خان الشيح، ومنها إلى الأردن.. كنت أظن أن إجراء عدة عمليات لي ستجعلني أطير من جديد.

استخدام الأنف في دخول مواقع التواصل الاجتماعي يعكس تشبث المعضماني بالحياة (الجزيرة)

لكن، كان للقدر ما لم يتمنَ وائل المعضماني، فقد كتب عليه "الرقاد" طوال حياته.

تنقل بين عدة مشاف، ومكث أشهرا في بيت ضم جرحى مدينة داريا في الأردن، كانوا يأتون ويرحلون وبسمته لم تفارق محياه رغم الألم الذي كان يعتصره.

كفاح بالأنف
في الشهر الرابع من عام 2016، استقبله "مركز سوريات بلا حدود" في الأردن، وتمكن المركز عبر القائمين عليه من معالجة مشكلة الميلان في عموده الفقري وإزالة جميع التقرحات.

استطاع وائل لأول مرة منذ إصابته تحريك جزء من يده اليمنى، واعتلاء الكرسي المتحرك الذي مكنه مجددا من رؤية العالم خارج شاشة التلفاز.

يقول إبراهيم رمضان الذي يقدم العلاج الطبيعي لوائل -للجزيرة نت- إن إصابته بالفقرة الرقبية السابعة في عموده لم تمنعه من المكافحة للاعتماد على نفسه.

ويضيف "وائل اليوم قادر على مراسلة أهله وأصحابه بكل ما يجول بخاطره، عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن طريق الكتابة بأنفه على الجوال".

بعد خمس سنين من التعب، يقول وائل: أحب أن أعود وأنام في حضن أمي الموجودة في سوريا؛ ويؤكد أنه لا يريد أن يطلب منها المجيء إليه لأنها حاولت سابقا الخروج من هناك فاعتقل النظام خاله المرافق لها في يونيو/حزيران 2015، ولمّا يعد بعد.

المصدر : الجزيرة