نهر بردى.. رمز يصارع للبقاء

النهر تلوثه مياه الصرف الصناعي ومخلفات المنشآت الصناعية  (الجزيرة نت)

نغم ناصر-دمشق

 
"سلام من صبا بردى أرّق"، مطلع قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي تغنى فيه بجمال نهر بردى الذي عاشت دمشق على إيقاع نبضه، لكنه اليوم تحول لرمز مفقود للمدينة.. جفت مياهه وتلوث ما بقي منها، فأمسى بردى الحاضر في حكايات عشق الأدباء والشعراء والمستشرقين لدمشق شاهدا يخفت صوته تدريجيا.
 
يستذكر الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم جمال بردى وهو يردد قصيدة شوقي لدمشق، ويروي كيف طلبت المطربة أم كلثوم بإصرار رؤية النهر الذي يلهم الشعراء عند زيارتها لدمشق، ويضيف "الألم يعتصر قلبي وأنا أراه جافا اليوم بعدما شهدت عظمته بالأمس، لقد بكيت مطولا وأنا أتأمل ما بقي منه"، لكن الشاعر السوري سليمان العيسى -الذي ألف لبردى قصائد عديدة يتغنى في إحداها بخلوده- لا يزال يجد فيه "رمز دمشق الخالد"، لذلك يرفض "الشفقة أو الحزن عليه".
 
ويضيف العيسى -بصوته المتعب- أن "بردى هو الجندي المجهول وسيبقى بأي حال له، فكل حصاة فيه تقاتل لأجل إحياء البلدان الأخرى".
 

 تم تبليط مجرى النهر في منطقة المعرض مما أثر على تدفقه (الجزيرة نت)
نهر الجنة
ينبع بردى -الذي أطلق عليه قديما "باردايس" (الجنة)- من بحيرة نبع بردى في جنوب الزبداني على سلسلة الجبال السورية شمال غرب دمشق، ويصب في بحيرة العتيبة جنوب شرق مدينة دمشق.
 
وللتغير المناخي دور رئيسي في جفاف النهر، ولازدياد سكان العاصمة دور في ذلك أيضا، لكن الطبيعة بريئة من تلوثه، حيث بات بردى مصبا لمياه الصرف الصحي والزراعي ومخلفات المنشآت الصناعية والمطاعم والمقاهي التي نشأت على أطرافه.
 
وتقول الدكتورة ابتسام حمد -رئيسة قسم العلوم البيئية في كلية العلوم بدمشق، والتي أشرفت على العديد من الدراسات التي تتناول تلوث بردى- إنه في تسعينيات القرن الماضي بدأ النهر يفقد تدريجيا ملامحه، حيث حول مجراه إلى منطقة عدرا لتنقية مياه الصرف الصحي بالنهر، وتم تبليط مجراه في منطقة المعرض الدولي مما ساهم في الحد من تدفقه.
 
وترى ابتسام أن النهر الآن يحتاج إلى دعم بمجارٍ خاصة تنجيه من الصرف الصحي، فالطبيعة -التي تمنح الأنهار عادة أنواعا مختلفة من النباتات تقوم بتنقيتها تلقائيا من التلوث عبر امتصاص العناصر الثقيلة- باتت عاجزة في حالة بردى "لأن التلوث فاق طاقته، فلم يعد النهر قادرا على تنقية نفسه".
 
كما تشير إلى أنه يصعب على من يرى بردى بوضعه الحالي أن يتخيل أن ذلك النهر الجاف كان يغرق مدينة دمشق، كما تشير إليه دراسات تؤرخ فيضاناته في القرن السادس عشر والسابع عشر.
 
لكن ذاكرة ابتسام تستحضر فيضانه السنوي في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وتقول "شهدت ذلك مرارا وأنا في طريقي إلى المدرسة، حيث كان فيضانه يغلق الطرقات مما يضطرنا للعودة إلى منازلنا".
 
مقترحات للحل
خضع بردى خلال السنوات السابقة لحملات تنظيف لمجراه بدعم من جمعيات أهلية ومؤسسات دولية، لكن ابتسام تجد أن العمل البيئي لا يكفيه هذا مثل هذه الجهود، بل يحتاج إلى تكاتف وتنسيق بين الجهات الخاصة والعامة، "فالنهر يحتاج لمحطات تنقية عديدة، وهذا ما تلجأ إليه الدول التي تحرص على الحفاظ على جمالية أنهارها".
 
ورغم الحملات المتعددة فإن النهر لا يزال على حاله، ولا تزال رائحة مجاري الصرف الصحي طاغية على أماكن تحيط به تبعد المارة عنه، فمنظره لا يجذب الناس لتأمله، بل يسارع البعض لتخطيه عند المرور قربه تفاديا للرائحة الكريهة المنبعثة منه.
 
وتدعو ابتسام لتوعية العامة، "فحملات النظافة التي يقتصر دورها على تنظيف محدد أمام كاميرات التلفزيون ليست كافية، بل يتوجب أن تقام حملات من وزارة البيئة والسياحة".
 
كما تطالب بعقوبات رادعة للحد من تلوث بردى لمنع انتشار الأمراض المختلفة نتيجة ري المزروعات بمياه الصرف الصحي، وتجنب ما حصل في عاميْ 1997 و1998، "عندما كاد مرض الكوليرا ينتشر في دمشق ونجحنا في تطويقه باكرا، واستطعنا أيضا منع انتشار مصانع الدباغة التي لوثت النهر بمادة الكروم المسرطنة".
 
ابتسام -بعيدا عن تخصصها في مجال البيئة- تنظر الآن إلى بردى بشوق وحزن، حالها حال من عاصره فترة تألقه، وحال عشاق دمشق الذين لم تتيسر لهم رؤيته سابقا، لكنه بات محفورا في مخيلتهم من خلال قصائد الشعراء، أو ربما لأنهم يحسنون الاستماع لأنين نهر اغتسل بدموعه… دموع باتت وحدها النقية التي تجري فيه وتروي قصة مجد لنهر يصارع للبقاء.
المصدر : الجزيرة

المزيد من بيئي
الأكثر قراءة