عندما لا يشيب العشق- بالصور.. مسن عراقي يسطر أروع قصة وفاء لزوجته المصابة بجلطة دماغية

المُسن العراقي يرى أن التضحية هي العمود الفقري لأية علاقة زوجية، فهي تحولها إلى علاقة إنسانية قوية لا تهزّها نكبات الزّمن، ولا تلاطم أمواج الأيّام

المُسن العراقي مام أحمد رسول
مام أحمد يهدي زوجته الورود يوميا (الجزيرة)

أربيل- يمدّ يديهِ المُرتجفتين الى كومة ورود حمراء في حديقته المتواضعة أمام منزله مثل حاله بينما أغرورقت عيناه بالدموع ليختار من بينها إحداهن "سأبقى على العهد معها لآخر رمق من حياتي".

هكذا يبدأ المُسن العراقي مام أحمد رسول (73 عاماً) أولى لحظات صباحه كل يوم بإهداء وردةً حمراء لزوجته رابعة أحمد (71 عاماً) المُصابة بجلطةٍ دماغية منذُ نحو 3 أشهر، أملاً منه أن تصبحُ هذه الوردة بعطر يديه شفاءً لمرضها.

الزوجان العراقيان مع خمسة من أطفالهما عام 1994 (الجزيرة)
الزوجان العراقيان مع أطفالهما عام 1994 (الجزيرة)

لغة الورود والدموع

كتلك الأم التي ترفض أن يرعى أطفالها غيرها، يصرّ المُسن على أن يخدم زوجته وهي طريحة الفراش، ويرفضُ خدمة أيّ شخصٍ آخر لها، وهي التي عاشت معه أقسى أيّام العمر مع بداية زواجهما قبل نحو 4.5 عقود من الزمن، ورزقه الله منها 7 أبناء، 5 أولاد، وبنتان، منهم الفنان والشاعر الكردي المعروف هيوا الحلاق المُقيم في السويد.

يُفسرّ مام أحمد لغز استمرار عشقه وحبّه وتعلّقه بزوجته بعد أن أخذ منهما العمر شبابهما بأنّه إحدى القصص التي تُجسد الحبّ الحقيقي القائم بمفهومه على جوهر التضحية والعطاء لا الأخذ والمظاهر الفارغة فقط.

ومن المصادفة في حياة الزوجين العراقيين، أنهما من مواليد نفس اليوم والشهر (أول يوليو/تموز) لكن في عامين مُختلفين، فالزوج من مواليد 1949، وأمّا الزوجة فقد ولدت عام 1951.

عمل مام أحمد لسنواتٍ طوال قبل تقاعده موظفاً في المكتبة العامة بمدينته في قضاء كويه التابع لمحافظة أربيل في إقليم كردستان، إلا أن زوجته لم تتركه ليواجه وحده أيام الفقر والعوز في شبابه، فعملت بأكثر من عملٍ لدعم زوجها ولتربية أطفالهما بأحسن ما يكون وتوفير احتياجاتهم اليومية، حتّى صاروا شباباً، لهم مسؤولياتهم وعوائلهم.

المُسن العراقي مام أحمد رسول
مام أحمد يقطع الورود من حديقته ليهديها لزوجته المريضة (الجزيرة)

هل يشيب الحب مثل الإنسان؟

رغم ابتسامته العريضة على وجهه وهو يهدي وردةً حمراء لزوجته الطريحة، فإن مام أحمد يذرف الدموع لها كل يوم أمام حديقته "أتمنى أن تبقى معي حتى وهي بهذي الحال، فتعودتُ عليها، ولا أطيقُ الحياة بدونها، فهي الأنيسة والحبيبة والزوجة المُخلصة، أريد العيشُ معها، والموتُ معها أيضاً..".

ورغم وصفة الأطباء المليئة بأنواعٍ مختلفة من الإبر والأدوية والحبوب، فإن المُسنّ يرى في وردته الحمراء دواءً مختلفاً لزوجته، التي لا تبتسم إلا أمام عينه فقط، وهي تقول له بلغة الإشارة "أعذرني إن أصبحتُ ثقيلة الظلّ عليك، فأحياناً المشيبُ لا يرحمنا، ولكن تأكد بأنّ حبُنا سيكون الأقوى من كل ذلك ولا يشيب مثلنا أبداً".

الزوجة رابعة أحمد وهي على الفراش بعد اصابتها بجلطة دماغية (الجزيرة)
الزوجة رابعة أحمد أصيبت بجلطة دماغية قبل عدة أشهر (الجزيرة)

بكلماتٍ متقطعة وبلغة الإشارة أحياناً اكتفت الزوجة الطريحة بوصف حبّ زوجها لها وهي بهذه الحال في حديثها للجزيرة نت بقولها إنه "الوحيد الذي يُخفّف عني ألمي وأوجاعي، وشعرةً بيضاء منه تسوى عندي الدنيا وما فيها، فهو الحبيب والسند، وما زلتُ أعيشُ وإياه أجمل أيّام عمرنا".

يقول مام أحمد في حديثه للجزيرة نت "الحبّ ليس كالإنسان، فهو لا يشيبُ مع تقدّم العمر، ويزدادُ جمالاً وتضحيةً كلّما تقدم أكثر في العمر، فكلانا نعيشُ الآن حُبنا بالصبر والاحترام والتقدير والتضحية من أجل الآخر، كما كنُا أوّل شبابنا، وأيّام الفقر والمِحن أيضاً".

ويرى هذا المُسن أن التضحية هي العمود الفقري لأية علاقة زوجية، فهي تحولها إلى علاقة إنسانية قوية لا تهزّها نكبات الزّمن، ولا تلاطم أمواج الأيّام.

أكثرُ ما يوجعُ المُسن رؤيته لزوجته وهي اليوم طريحة الفراش لا حول لها ولا قوة وكيف كانت الأمس "يوجعني كثيراً رؤيتها هكذا، أموتُ في اللحظة ألف مرة، لكني أخفي دموعي خوفاً على مشاعرها".

الفنان هيوا الحلاق يتوسط والديه قبل أصابة امه بالجلطة (الجزيرة)[1]
الفنان والشاعر هيوا الحلاق يتوسط والديه قبل إصابة أمه بالجلطة (الجزيرة)

ماذا تتمنّى الأم قبل رحيلها؟

"ما يفعله والدي تجاه والدتي وهي بهذه الحال ليس بشيءٍ جديد، فهو استكمال للعهد والوعد والصدق الذي قطعاه بينهما مع بداية حياتهما الزوجية" هكذا يصف نجلهما الشاعر والفنان الكردي هيوا الحلاق المقيم في السويد حب وتضحيات والديه.

يستذكر الحلاق في حديثه للجزيرة نت بعض المشاهد من أيّام طفولته كيف كانت والدته سنداً وقوّة لوالده أثناء ممارستها لبعض الأعمال والمهن دعماً لزوجها لتأمين لقمة العيش لأطفالهما، فكانت الأم تقول وقتذاك "لن أسمح لأولادي أن يحتاجوا أحداً ما حييت، وسأُكافح من أجلهم حتى آخر رمق في حياتي".

ويقول الابن الشاعر إن أمه تتمنى أن تحضنه وتراه قبل مماتها، وهي تقول إنها آخر أمنية لها وتدعو الله أن يحققها لها، بعد أن تعذّر عليه المجيء إلى العراق لرؤيتها هذا العام كما اعتاد أن يفعل كل سنة.

المصدر : الجزيرة