دار الكسوة الشريفة بالقاهرة.. أنشأها محمد علي لكساء الكعبة وتحولت إلى مخزن أوقاف في الستينيات

توضع الكسوة في صندوق خاص مصنوع من الفضة المذهبة، ومعها مصحفان من الفضة أيضا، وتجوب شوارع القاهرة في يوم إجازة رسمية للدواوين والمصالح الحكومية

دار كسوة الكعبة بالقاهرة التي تحولت إلى مخزن لوزارة الأوقاف (الجزيرة)
دار كسوة الكعبة بالقاهرة التي تحولت إلى مخزن لوزارة الأوقاف (الجزيرة)

تقول الأمثال إن كل شيء يبدأ من مصر، وكل شيء ينتهي فيها كذلك، لا دلالة على ذلك أكبر من المبنى المجهول في حي الخرنفش بالجمالية، يوما ما كان المبنى ملء السمع والأبصار تتجه إليه القلوب والعيون ولا يدخله إلا المتطهرون الذين يخيطون بأيديهم كساء جديدا للكعبة كل عام.

الدار -التي سميت "دار الكسوة" في عهد محمد علي باشا، ليخرج منها موكب المحمل من مصر إلى مكة كل عام حاملا كسوة البيت العتيق المجهزة من أفخم الأقمشة والمطرزة بخيوط الذهب والفضة- تحولت إلى مكان مهمل مطموس الهوية، رفعت لافتته المميزة "دار الكسوة الشريفة"، فصار لا يعرفه أحد، يمر الناس بجواره وهم لا يعرفون أن في هذه البقعة من مصر جزءا من تاريخ بيت الله الحرام.

قماش من الحرير الأسود المطرز بماء الذهب هو الكسوة التي ترتديها الكعبة المشرفة مرة كل عام، وتتم في صبيحة يوم عرفة.

بدأ كساء الكعبة في حجة الوداع للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بالأقمشة اليمنية، ثم بدأ من عهد أبو بكر الصديق استخدام القباطي المصرية في كساء الكعبة، وسار على نهجه عمر بن الخطاب الذي أمر كذلك بحياكتها في مصر، وفي عهد الدولة الأموية صارت الكسوة تصنع في دمشق، ثم أتى عصر الدولة العباسية ليستقر لون الكسوة على الحرير الأسود، وتستقر صناعتها بمصر.

الظاهر بيبرس قاتل أمير اليمن "المجاهد" في عام 571 هجري حين حاول الأخير الاستعاضة عن كسوة الكعبة المصرية بأخرى يمنية (الجزيرة)

منذ أن استقر تصنيع الكسوة في مصر منتقلا من العباسيين للفاطميين والأيوبيين ثم المماليك لم تسمح مصر بخروج شرف كساء الكعبة منها، حتى أن الظاهر بيبرس قاتل أمير اليمن "المجاهد" في عام 571 هجري حين حاول الأخير الاستعاضة عن كسوة الكعبة المصرية بأخرى يمنية، وفي عهد الدولة العثمانية استمر الاهتمام بخروج الكسوة الشريفة من مصر، وأوقف لها السلطان سليم القانوني 7 قرى لتضاف إلى الوقف المصري لأمور الحج، ليصبح 9 قرى.

في عام 1233 هجري بنيت دار الكسوة الشريفة في حي الخرنفش (ملتقى حي باب الشعرية وحي الجمالية) في الشارع الوسيط الذي تقع في بدايته كنيسة القديس يوسف، وفي أوسطه دار كسوة الكعبة، وفي آخره رحاب المعز لدين الله الفاطمي.

التاريخ الطويل لكسوة الكعبة في مصر لا يتوقف عند حدود بناء الدار، بل كان خروج الكسوة في موكب المحمل حدثا ينتظره المصريون كل عام، تدخل الكسوة إلى الهودج المزين بالفضة المذهبة، ويرتفع على ظهر جمل "المحامل"، وهو جمل لا عمل له طوال العام سوى هذه المهمة المقدسة.

توضع الكسوة في صندوق خاص مصنوع من الفضة المذهبة ومعها مصحفان من الفضة أيضا، تجوب شوارع القاهرة في يوم إجازة رسمية للدواوين والمصالح الحكومية التي تعطل بأمر الحاكم، في أحد أيام شهر ذي القعدة تحدده نظارة الداخلية والمالية، وسط زغاريد النساء اللائي يصطففن على جوانب الطريق ويغنين "اسم الله عليه.. لايقة عليه"، في إشارة إلى الزي الجديد للكعبة، وكأن نساء مصر يدللن بيت الله الحرام كطفل في المهد يرتدي ثوب العيد، مسار المحمل في رحلته المقدسة يحفظه جيران دار الكسوة عن ظهر قلب.

يحكي الحاج سيد (80 عاما) -وهو أقدم الحلاقين في الخرنفش- للجزيرة نت عن الرحلة التي حضرها صغيرا في عهد الملك فاروق حين كانت الكسوة تخرج من دار صناعتها مع إطلاق ضربات المدافع احتفالا بالحدث الشريف، يتسلمها موكب المحمل الذي يتقدمه ضباط البوليس في زيهم العسكري، وتدق الدفوف وتعزف الموسيقى طوال الطريق الذي يسير فيه الموكب الذي يخرج من دار الكسوة ليصل إلى القلعة، ثم يعود منها ليسير في شوارع القاهرة الفاطمية من شارع المعز لشارع الجمالية ثم الدرب الأصفر، وصولا إلى الغورية، ثم العودة إلى مسجد الحسين، فيصلي الجمع فيه، ثم يخرج أمير الحج بالموكب متجها إلى السويس حيث تبدأ الرحلة المقدسة.

القصبجي يعيد أمجاد والده آخر أجيال خياطي كسوة الكعبة (الجزيرة)

رغم اختفاء احتفال المحمل منذ الستينيات وانتقال شرف صناعة الكسوة إلى المملكة العربية السعودية وهجرة دار الكسوة الشريفة وتحويلها إلى مخزن لوزارة الأوقاف فإن أثره لا يزول، فبقي الحاج أحمد القصبجي (آخر أبناء جيل خياطي الكسوة) ينسج الخيوط ذاتها بالقماش القباطي المصري نفسه، يستعيد ذكرى أبيه الذي علمه نسج الخيوط المذهبة في الثوب المقدس.

افتتح القصبجي ورشته في خان الخليلي لصناعة نفس الثوب المكرم، لكن هذه المرة ليس أصليا مثل والده، لكن بتقليد أقرب للحقيقة، في صناعة لا تزال مطلوبة ومحببة لمجسم الحرم الشريف، وكذلك اللوحات القرآنية التي تتخذ نفس الشكل والرسوم.

يقول القصبجي للجزيرة نت "فن النسيج والتطريز الإسلامي كانت نشأته في مصر، ومهما تغيرت وجهة صناعة الكسوة إلا أن علامته الأصلية تظل مصرية، وفي ورشتي أحاول الحفاظ على ما تبقى من الصنعة من خلال تعليمها للصغار في ورش تقام لهذا الغرض، لتعريفهم بالفن المصري وتاريخه".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يفضل البعض في تونس قضاء يوم عيد الأضحى في أحضان الطبيعة، وذلك للاستمتاع بهذا اليوم المميز في الهواء الطلق، وكذلك اكتشاف المناطق الخضراء في البلاد، وتدريب الأطفال على كيفية التعامل مع الطبيعة.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة