فقدان الذاكرة الطفولي.. لماذا لا نملك ذكريات من المراحل المبكرة لحياتنا؟

ترى بعض الدراسات أن العوامل الاجتماعية والثقافية توثر كثيرا في استعادة ذكريات الطفولة، حيث أظهرت النتائج -على سبيل المثال- أن الأشخاص الذين نشؤوا في بيئة حضرية استطاعوا استعادة ذكريات أقدم مقارنة بمن عاشوا طفولتهم في بيئة ريفية. 

عندما يكتسب الطفل بعض الخبرات، فإن دماغه يبدأ بالبحث عن أنماط عامة تساعده على فهم محيطه والتنبؤ به (غيتي)
عندما يكتسب الطفل بعض الخبرات، فإن دماغه يبدأ بالبحث عن أنماط عامة تساعده على فهم محيطه والتنبؤ به (غيتي)

إلى أية فترة زمنية تعود ذكرياتك الأولى؟ ربما كان يومك الأول في الحضانة أو كعكة عيد ميلادك أو لحظة مشتركة مع والدتك. عموما من المؤكد أن أول ذكرى ستكون على الأغلب بعد عامك الثاني أو الثالث، ولن تستطيع تذكر أي شيء عن لحظة ولادتك أو كلماتك وخطواتك الأولى.

في تقرير -نشرته مجلة "نوفيل أوبسرفاتور" (nouvelobs) الفرنسية- يقول الكاتب جان بول فريتز إن هذه الظاهرة معروفة جيدا للعلماء وتُعرف بـ"فقدان ذاكرة الطفولة". فهل سبب هذه الظاهرة هي أن تلك الذكريات سريعة النسيان، أم أنها ذكريات لا واعية؟

وقد سلطت عدة أبحاث علمية الضوء على هذه الظاهرة، وكشفت إحداها أن الذكريات الأولى التي بإمكاننا استعادتها تعود إلى فترة أقدم مما كنا نظن.

مفارقة التعلم دون ذكريات

حتى سن السابعة تقريبا، تظل ذكرياتنا نادرة، ولكن ما يحدث قبل سن الثالثة والرابعة -على وجه الخصوص- هو أمر مثير للاهتمام، حيث إننا نفشل تقريبا في استعادة أية ذكرى قبل تلك السن. والمفارقة هي أنه في تلك المرحلة على وجه التحديد، نكتسب عددا كبيرا من المعايير التي تعد محورية في الطفولة والمراحل التالية من حياتنا.

ويشير نيك تورك براون -أستاذ علم النفس في جامعة "ييل" (Yale) الأميركية- إلى أن "أحد الألغاز الأساسية حول الطبيعة البشرية هو أننا لا نتذكر شيئا تقريبا منذ الولادة حتى فترة الطفولة، حيث نتعلم خلال هذا الوقت الكثير من المعلومات الحيوية؛ كلماتنا الأولى، وكيفية المشي، والأشياء والطعام والروابط الاجتماعية".

لكن إذا كانت ذاكرتنا تحتفظ باللغة والمهارات والسلوكيات، فلماذا لا نتذكر الأحداث التي رافقتها؟ بالنسبة للعديد من المتخصصين، تكمن الإجابة في طريقة تطور الدماغ، والذي لا يسمح لنا باستعادة الذكريات الدقيقة، أو التعرف إلى العملية التي تمكننا من العثور عليها في الذاكرة.

ويرى بعض الباحثين أن تلك الذكريات لا تُمحى تماما، بل تبقى آثارها التي تؤثر بعد ذلك على العديد من سلوكياتنا. على سبيل المثال، يؤكد علماء من جامعة "نيو ساوث ويلز" (New South Wales‏) الأسترالية أن "التأثير الضمني" للذكريات المبكرة على السلوكيات اللاحقة يرجع إلى "استمرار البصمات العصبية التي شكلت تلك الذكريات".

هناك نظرية أخرى يدافع عنها فريق البروفيسور البريطاني جيمس راسل من "جامعة كامبردج" (Cambridge)‏، وهي أن تجاربنا الأولى ليس لها "التنسيق الصحيح" لفك تشفيرها بواسطة الدماغ في مرحلة البلوغ. ووفق هذه النظرية، لا تستطيع الذكريات المبكرة العمل مع الذاكرة العرضية لأن دماغنا لم يكن قادرا بعد على ربط معلومات المكان والزمان بالمعلومات التي ترتبط بالأشياء والأفعال.

"قرن آمون"

بالنسبة للفريق البريطاني، قد يكون لكل ذلك علاقة بما يسمى "قرن آمون" (الحُصيْن)، وهو جزء من الدماغ مهم للذاكرة ولبقية الوظائف الإدراكية.

ويعتقد عدد من المتخصصين أن السبب الرئيسي لـ"فقدان الذاكرة الطفولي" هو في الواقع عدم اكتمال نمو قرن آمون أو ما يعرف أيضا بالحُصين. وقد سلّط كاميرون إليس -من قسم علم النفس بجامعة ييل مع فريق من زملائه- الضوء على هذه الآلية في دراسة نُشرت بمجلة "كورنت بيولوجي" (Current Biology). وقد استخدم الفريق صور الرنين المغناطيسي الوظيفي لتحليل نشاط الدماغ لدى مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 أشهر وسنتين، ووجدوا أنهم كانوا يستخدمون بالفعل الحصين للتعرف والتعلم.

وفي هذا السياق، يقول نيك تورك براون -المؤلف المشارك في الدراسة- إنه عندما يكتسب الطفل بعض الخبرات، فإن دماغه يبدأ بالبحث عن أنماط عامة تساعده على فهم محيطه والتنبؤ به؛ لكن هذا الأمر يحدث عندما لا يكون الدماغ جاهزا لتخزين كل تجربة فردية بشكل دائم في وقت محدد؛ وهو ما يُعرف بالذاكرة العرضية التي تُفقد أيضا في حالة فقدان الذاكرة لدى البالغين.

وبالنسبة لفريق البروفيسور إليس، هذه الإستراتيجية منطقية تماما، فبدلا من محاولة تذكر تفاصيل ولحظات محددة، يهتم الدماغ بالتعلم العام، مثل استيعاب تراكيب الكلمات لتكوين بعض الجمل، حيث ينمو قرن آمون بشكل كبير خلال أول عامين، ويتضاعف حجمه ويكتسب القدرة على الاحتفاظ بالذكريات العرضية من خلال تطوير الروابط الضرورية بين الخلايا العصبية في هذه المنطقة من الدماغ.

ويلخص البروفيسور تورك براون نتائج الدراسة قائلا "مع حدوث التغييرات في أنحاء الدماغ، نكتسب في النهاية القدرة على تخزين الذكريات؛ لكن بحثنا يظهر أنه على الرغم من أننا قد لا نتذكر تجارب طفولتنا في وقت لاحق من الحياة؛ فإنها لا تزال مسجلة بطريقة تسمح لنا بالتعلم منها".

ومن خلال عرض السؤال؛ لماذا يكون الحصين ناضجا بدرجة كافية في وقت ما، وليس في وقت آخر، وكيف يرتبط ذلك بالذاكرة؟ يعرض عالما النفس الأميركيان آرثر غلينبيرغ وجوستين هايز فرضية تكميلية لتوضيح نظرية الحصين. فبالنسبة لهما، يكمن الجواب في الحركة ومدى قدرتنا على المشي.

وعلى ما يبدو، فإن خطواتنا الأولى، أي الانتقال من الحبو إلى الوقوف، يساعد في إعادة تنظيم خلايا الحُصين، والتي يمكن "إعادة توصيلها" وجعل الذكريات التي تم تخزينها قبل هذا التغيير أقل توفرا. وعندما يتحرك الطفل على قدميه، يصبح حسب هذه النظرية قادرا على اكتشاف المزيد من الأماكن بمفرده، ويطوّر تكيّفه مع البيئة وقدرته على "ترميز" الأماكن المقابلة للأحداث.

ذكريات أقدم مما تعتقد

تعرض الخبيرة كارول بيترسون -من كلية علم النفس بجامعة "ميموريال" (Memorial) في نيوفاوندلاند- سؤالا آخر هو "إلى أية فترة زمنية تعود ذكرياتك الأولى؟" وحسب رأيها، فإن المدى الذي يمكن أن نستعيد فيه ذكرياتنا يختلف من شخص لآخر، وحسب الظروف المحيطة بتلك الذكريات.

وتقول بيترسون إنه "على الرغم من أن عمر 3 أعوام ونصف يُعتبر في المتوسط أقصى حد لاستعادة الذكريات، فقد يكون العمر الأكثر دقة عامين ونصف العام".

وترى بعض الدراسات أن العوامل الاجتماعية والثقافية توثر كثيرا في استعادة ذكريات الطفولة، حيث أظهرت النتائج على سبيل المثال أن الأشخاص الذين نشؤوا في بيئة حضرية استطاعوا استعادة ذكريات أقدم مقارنة بمن عاشوا طفولتهم في بيئة ريفية.

وتشير بيترسون إلى أن إحدى الدراسات أظهرت أن خُمس البالغين الذين شملهم الاستطلاع على مدى 4 سنوات اختلفت ذكرياتهم مرة واحدة على الأقل، وهو ما يعني أن الظروف التي نحاول فيها استعادة الذكريات، بما في ذلك أجواء هذه الدراسة ذاتها، قد يكون لها أيضا تأثير على إدراك أقدم ذكرياتنا.

ووفقا لبيترسون، ترجع صعوبة تحديد أقدم الذكريات إلى ما يسمى بـ"التأثير التلسكوبي"، فعندما تنظر إلى الأشياء التي حدثت منذ وقت طويل، يشبه ذلك النظر من خلال العدسة، وكلما كانت الذاكرة بعيدة يسهم التأثير التلسكوبي في تقريبها.

وترى الباحثة الكندية أننا قد نستطيع استعادة الكثير من ذكريات مرحلة ما قبل الحضانة، أكثر مما كنا نعتقد سابقا، وقد نتمكن من تذكر أحداث أقدم مما تفترضه النظريات العلمية عن ذاكرة الأطفال.

ومع ذلك، فإن الحد الأقصى لعمر ذكرياتنا الأولى لن يكون كافيا لاستعادة ذكريات الأيام الأولى بعد الولادة، لأنه في تلك المرحلة، خلال العامين الأولين، لم يكن الحُصين أو ما يسمى بقرن آمون قادرا بعد على تشفير الذكريات العرضية.

المصدر : لونوفيل أوبسرفاتور

حول هذه القصة

كشفت دراسة علمية أن طريقة الأستراليين الأصليين في استظهار المعلومات وتثبيتها لتذكرها على المدى الطويل، أفضل في الجدوى والكفاءة من طريقة “القصر الذهني” التي استخدمها “شارلوك هولمز” في مسلسله.

9/6/2021
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة