شاهد- قصة فصل الربيع في كوريا الجنوبية.. لماذا نزع المواطنون أشجار الكرز اليابانية؟

لا عزاء للكوريين في الشتاء السيبيري إلا ترقب مقدم الربيع الفردوسي، لكن لا عزاء لهم صيفا إلا ترقب مقدم الخريف الرومانسي.

سول- يحتل فصل الربيع مكانة جوهرية في وجدان الشعب الكوري، فتقام عند حلوله المهرجانات، كما تخص كل زهرة من زهوره بمهرجان: فمهرجان لزهرة الكرز، وآخر لزهرة البرقوق، وكذا للورد والأقحوان والسلجم (الكانولا) وغيرها.

تجفف مختلف أنواع الزهور وتصنع منها شايات مختلف ألوانها.أنواع من الزهور مختلف ألوانها (الجزيرة)

ويبدأ الربيع زحفه على البلاد من ناحية الجنوب، ابتداءً من نهاية مارس/آذار ويبلغ ذروته في مايو/أيار، الذي يسميه الكوريون سيد الشهور. وكلما دخل بلدة اهتزت وربت وأنبتت من كل زهر بهيج، إلى أن يبلغ نهايته مع آخر يونيو/حزيران، بعد أن حول البلاد بأسرها لحديقة فردوسية غناء. وهذا التقرير يحكي قصة ربيع كوريا الجنوبية، من بدايته إلى نهايته.

تجفف مختلف أنواع الزهور وتصنع منها شايات مختلف ألوانها. (2)فناجين من مختلف أنواع الزهور المجففة (الجزيرة)

تقويم بالزهور

يحتسب الناس أيامهم وشهورهم معتمدين على شروق الشمس وحركة القمر، أما عند دخول الربيع في كوريا، فإن تقويما فريدا يدخل حيز الاستخدام، وفق مواعيد تفتح الزهور.

وكل سنة تصدر رزنامة تقسم الربيع بحسب مواعيد تفتح أشهر أنواع الزهور وتبين كذلك أماكن تفتحها، وقائمة المهرجانات المقامة للاحتفال بها، وهكذا يتعقب عشاق الربيع زهورهم المفضلة، ويخططون لخرجاتهم وفق مواعيد تفتحها، وعلى رأسها ملكة الزهور: الكرز.

مهرجان زهور الأقحوان على جبل تشونغوكسانمهرجان زهور الأقحوان على جبل تشونغوكسان (الجزيرة)

الكانولا الصفراء

جزيرة جيجو أول منطقة يدخلها الربيع جزيرة جيجو الواقعة أقصى جنوب البلاد، وهي صخرة عملاقة تشكلت منذ مليوني سنة بفعل البراكين، وتعتبر أخصب منطقة في كوريا بفضل ترابها الغني بالرماد البركاني.

وفي هذه المنطقة، تتفتح الكانولا الصفراء (السلجم) خلال الأسبوع الأخير من مارس/آذار، فتتحول الجزيرة إلى مروج صفراء تسحر الزائرين الذين يبلغ عددهم 15 مليونا سنويا، جلهم يزورها خلال الربيع، وكثير منهم الأزواج الجدد الذين يعتبرون الجزيرة المكان الأمثل لقضاء شهر عسل هادئ.

ومن الجزيرة يبدأ متعقبو تفتح الزهور رحلتهم، ليرافقوا الربيع في رحلته عبر البلاد، فيحضرون مهرجان زهرة الكانولا، حيث يعرض مزارعو الجزيرة منتجات مختلفة صنعت من تلك الزهرة، كالعسل والزيوت الطبية والشاي.

زهرة البرقوق (3)في مدينة غوانغيانغ الصغيرة الساحلية يوازي عدد أشجار البرقوق عدد السكان (الجزيرة)

زهرة البرقوق

ويواصل الربيع زحفه، فيقطع البحر إلى اليابسة، وفي مدينة غوانغيانغ الصغيرة الساحلية، والتي يوازي عدد أشجار البرقوق فيها عدد السكان البالغ 130 ألفا، حيث تنفجر الأشجار أزهارا بيضاء، فتبدو تلال المدينة كأنها مكسوة بالثلوج، كما يقيم أهل المدينة مهرجان زهرة البرقوق، محتفلين بتفتح الزهرة المؤذن بنضوج الثمار.

ولا يزال أهل غوانغيانغ يتنافسون على زراعة أشجار البرقوق، ويتوقع أن يتجاوز عددها عدد سكان المدينة الصغيرة قريبا.

زهرة البرقوقزهرة البرقوق (الجزيرة)

زهرة الكرز

وبحلول الأسبوع الثاني من أبريل/نيسان، في العاصمة سول، يعلن الربيع بلوغ اليوم المشهود الذي انتظره الملايين، إنه موسم تفتح زهرة الكرز، والتي لا تدوم ذروة تفتحها إلا بضعة أيام.

ويفسح المجال للطبيعة لتعبر عن جمالها بأبهى الأشكال، فترى الكوريين -على غير عادتهم- غير مستعجلين، يهيمون في الحدائق والمتنزهات بين أشجار الكرز، لا يتوقفون عن التقاط الصور مع الزهور الوردية والبيضاء، سكارى وما هم بسكارى من الجمال المحيط بهم.

ومازلنا في العاصمة حيث تنبت عشرات آلاف أشجار الكرز، منتشرة في حدائق ومنتزهات عديدة، أشهرها منتزه يوويدو الذي تنتشر فيه ما يزيد على 1500 شجرة كرز.

زهور التوليب في منتزه الصباح الهادئ في ضواحي سيولزهور التوليب في منتزه الصباح الهادئ بضواحي سول (الجزيرة)

زهرة الكرز.. جدل التاريخ والسياسة

اشتهرت زهرة الكرز في العالم باسمها الياباني "ساكورا" وليس باسمها الكوري "بوتكوت" لكن إذا ما زرت كوريا الجنوبية وذكرت للناس -كبار السن على الخصوص- التسمية اليابانية، فغالبا ما سيتحول الموضوع من حديث عن الطبيعة والسياحة إلى كلام في التاريخ والسياسة، وعما إذا كانت شجرة الكرز يابانية أم كورية؟

ولفهم خلفية هذا النقاش، يقول الدكتور دونغون لي أستاذ تاريخ كوريا المعاصر بجامعة سول الوطنية "قد ينظر البعض لهذا الخلاف على أنه مجرد عراك سخيف حول أصل شجرة، أو أنه تعبير عن مشاعر قومية متعصبة، لكن الأمر ليس كذلك، ففي مرحلة الاستعمار الياباني، صودر الكثير من الأراضي الزراعية وجرفت الغابات، كما دمرت الكثير من المنتزهات والمعالم الوطنية في سياسة لطمس الهوية الثقافية الوطنية الكورية".

ويضيف "بالمقابل زرعت الكثير من الأشجار ذات الرمزية السياسية مثل كايزوكا التي كانت شعارا يرمز لقوة الإمبراطورية اليابانية. لكن المشكل أنه بعد نهاية الاستعمار، أصبحت اليابان تدعي الفضل في إدخال ثقافة أشجار الزينة إلى كوريا كجزء من خطاب يهدف لتلطيف صورة الاستعمار، وطمس الانتهاكات التي تعرض لها الشعب الكوري".

غيونغجو، مدينة الورد الأحمرغيونغجو مدينة الورد الأحمر (الجزيرة)

سنة 1995، بمناسبة مرور 50 سنة على نهاية الاحتلال الياباني، قامت السلطات الكورية بنزع أشجار الكرز التي زرعتها اليابان بالقصور التاريخية الكورية، وتم نقلها إلى ضاحية يوويدو وإلى المقبرة الوطنية في خطوة ترمز إلى دفن بقايا الاحتلال الياباني.

لكن مع ظهور دراسات تثبت أن الموطن الأصلي لأشجار الكرز الملكية هو جزيرة جيجو الكورية، وأن الفصيلة اليابانية (يوشينو) ليست إلا فرعا مهجنا من الكرز الملكي الكوري، فقد زالت الحساسية تجاه أشجار الكرز.

لكن حساسية الكوريين تجاه الأشجار اليابانية مازالت قائمة، إذ أعلن الأرشيف الوطني الكوري سنة 2017 نزع 12 شجرة كايزوكا تعود لحقبة الاستعمار الياباني، وأشار إلى أن تلك الأشجار كانت "أداة لمحو الثقافة والتقاليد الكورية الأصلية".

زهور الأزاليا في حي دونغديمون بسيولزهور الأزاليا في حي دونغديمون بسول (الجزيرة)

شهر الورد

وبعد أن تفتحت كل أزهار الكرز في أبريل/نيسان، وتفتحت الكاميليا، وشقت الأزاليا الملكية طريقها بين صخور الجبال الشاهقة، وحولت أزهار الأقحوان البيضاء سفوح الجبال إلى مرايا تعكس نور الشمس، يحل مايو، سيد الشهور، وتبدأ أشجار الورد بالتفتح، انطلاقا من الجنوب، حيث مدينة غيونغجو عاصمة الورد الأرجواني، إلى أن تتفتح كل الورود وتصبح كوريا الجنوبية باقة ورد كبيرة.

من مهرجان الأزاليا الملكية على جبل هوانغميسانمن مهرجان الأزاليا الملكية على جبل هوانغميسان (الجزيرة)

تفتح أزهار الخزامى بالجزيرة البنفسجية

ثم يقترب الربيع من نهايته، ويكون الموعد مع زهور الخزامى والبنفسج، التي يكتمل إزهارها أواسط يونيو/حزيران، وتغطي جزرا بأكملها، مثل جزيرة بانوول التي تلقب بالجزيرة البنفسجية.

وبسبب انتشار حقول الخزامى والبنفسج بالجزيرة، قررت السلطات اعتماد اللون البنفسجي لطلاء المنازل والطرقات والجسور وحتى أواني المطاعم التي تقدم شاي الخزامى ومثلجاتها، لتصبح زيارة الجزيرة تجربة بنفسجية خزامية بامتياز.

مهرجان زهور الأقحوان على جبل تشونغوكسان (2)مهرجان زهور الأقحوان على جبل تشونغوكسان (الجزيرة)

ونهاية يونيو/حزيران، تنتهي حفلة الربيع الباذخة الألوان، وتستعد كوريا الجنوبية لدخول الصيف، وكما يحولها الربيع إلى حديقة غناء كبيرة، فإن الصيف شديد الحرارة والرطوبة يحولها إلى حمام ساونا كبير، وإذا كان هناك عزاء للكوريين في الشتاء السيبيري بترقب مقدم الربيع الفردوسي، فإنه لا عزاء لهم في الصيف إلا ترقب مقدم الخريف الرومانسي.

منتزه يوويدو بالعاصمة سيولمنتزه يوويدو في سول (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

سكن الكوريون الجبال فسكنت عقولهم وتلبّست أرواحهم، وأصبحت قبلتهم ومهوى أفئدتهم لقضاء أوقات الفراغ والتخلص من ضغوط الحياة وهمومها، فصباح أيام السبت والأحد ترى الكوريين كبارا وصغارا وجهتهم قمم الجبال.

19/5/2021
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة