مبادرات نفسية لتأهيل سكان غزة.. الإعمار وحده لا يكفي

الأطفال هم القطاع الأكبر الذي يحتاج لرعاية نفسية مكثفة في الوقت الحالي

تجاوب متطوعون في مجال الصحة النفسية والاجتماعية من خارج غزة لتقديم الدعم النفسي لضحايا الحرب (غيتي)
تجاوب متطوعون في مجال الصحة النفسية والاجتماعية من خارج غزة لتقديم الدعم النفسي لضحايا الحرب (غيتي)

"أتعرفين ما الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله"، جملة غسان كنفاني الخالدة من روايته "عائد إلى حيفا"، ربما آن أوان تغييرها لجملة أكثر ثبوتا وتكرارا "الوطن هو أن يحدث ذلك كله".

من أجل الوطن نرى كل يوم موتا ودمارا وتخريبا، أطفالا ينقذون أسماكهم وألعابهم، ولا يضمنون أن يُنقَذوا هم إن جاء الدور عليهم في قصف المرة القادمة. من أجل الوطن يتبادل الشقيقان ولدين لكل منهما يبيتان في منزل العم، حتى إن ماتت أسرة يبقى من نسلها من يُبقي اسمها خالدا حتى الحرب القادمة.

لا أحد يخرج ناجيا من الحرب في غزة، فمن سلم ببعض جسده فقدَ بعضه الآخر، ومن سلم بجسده كاملا فقد بعضا من روحه، ومن فقد أهله وأحبته فقد روحه كلها، أيام ويتوقف إطلاق النار، بأوامر دولية أو بجهود عربية، لكن هل ستعود الروح مجددا لأهل المدينة المنكوبة؟

التأهيل النفسي لسكان غزة هو المهمة الأصعب في ظل الوضع الحالي، وأن يعود هؤلاء الأطفال المذعورون للنوم الهادئ من دون كوابيس مقلقة هو أقصى طموح فرق الدعم النفسي التي بدأت تتشكل في قطاع غزة، بعد نداءات متعددة لمتابعة الحالة النفسية لسكان القطاع، الذي لا يزال يعاني من آثار الحروب السابقة، لتأتي تلك الحرب لتأكل ما تبقى من نفوس كانت محطمة من الأساس.

عبر صفحتها على موقع فيسبوك، ناشدت الناشطة الغزاوية مادلين إبراهيم القطاعات المهتمة بالصحة النفسية من خارج غزة التطوع لمعالجة آثار الحرب النفسية والاجتماعية بعد انتهائها، فتقول "كارثة أن تكون مسؤولية علاج آثار الحرب النفسية واقعة على أهل غزة وحدهم، لأن الجميع في حالة صدمة من هول القصف والدمار".

في صيف 2018، عملت مادلين باحثة ميدانية في دراسة حول الاحتياجات اللازمة لمصابي مسيرات العودة، وتحكي للجزيرة نت عن مشاهداتها عن أثر ما بعد النجاة، فمن مات قد نجا، أما الأحياء فلا يزال أمامهم الكثير لكي يعدوا من الناجين.

تقول مادلين "أذكر أنني التقيت حالتين كان يرثى لهما؛ الأولى كانت لشاب ينتظر موعد بتر ساقه، بعد إصابته البالغة فيها، وكان إجراء هذا البتر للشاب ومعه 136 شابا آخرون، ليس لصعوبة حالتهم، ولكن لضعف القطاع الصحي في القطاع".

أما الحالة الثانية فهي "لشاب أصيب برصاص حي في بطنه، مما أدى إلى استئصال أجزاء كبيرة من أمعائه، وبعد خروجه من المشفى لم يستطع تحمل تكلفة العلاج الدوائي، فساءت حالته، وبترت أجزاء جديدة من البنكرياس والأمعاء وأعضاء أخرى. هاتان حالتان فقط كان أذاهم النفسي أكبر بكثير من الأذى العضوي، فهم أحياء بلا حياة؛ لذا فالحرب لا تنتهي بعد وقف إطلاق النيران وإعمار المنازل كما كانت، نحن نحتاج لإعمار النفوس أيضا كما كانت".

الأطفال ضحايا الحرب

الأطفال هم القطاع الأكبر الذي يحتاج رعاية نفسية مكثفة في الوقت الحالي، فخيالات الموت لا تفارقهم، فقد كتبت الطفلة زينة لأمها خطابا تطلب منها أن تظل تحتضنها وهي نائمة، حتى إن ماتت تموت في حضنها، وإن قدر لها أن تموت وحيدة توصيها بأن تدفنها بملابس العيد فما فرحت بها بعد. وصية طفلة الأعوام الثمانية لا تختلف عن دموع صبية العاشرة التي تبكي لأنها لا تعرف كيف تفعل شيئا من أجل أهلها، فتقول "أنا لا أعرف سوى البكاء".

مناشدة مادلين أتت أُكلها سريعا، وبالفعل تجاوب معها العديد من المتطوعين في مجال الصحة النفسية والاجتماعية من خارج غزة، في الوقت نفسه الذي أكد معالجون نفسيون من داخل غزة أنهم بالفعل في حاجة لمساعدة من خارج القطاع، لتلافي الأثر النفسي الواقع عليهم كأشخاص، وحصلت المبادرة على تجاوب واسع من جهات عدة، مثل "نفسانيون من أجل فلسطين"، التي بدأت نشر فيديوهات توعية عن نوبات الهلع وكيفية التعامل معها.

مبادرات أخرى

كذلك انطلقت مبادرة من نقابة الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين الفلسطينيين، التي أطلقها عضو الهيئة العامة للنقابة سلطان ماليك، بإعداد فريق دعم نفسي واجتماعي ينطلق على الفور إلى غزة بأسرع وقت، وتحت إشراف برنامج غزة للصحة النفسية، وهي الجهة التي رشحتها الناشطة مادلين إبراهيم، والمنوط بها مساعدة الجهات الراغبة في التطوع من أجل المساهمة في الإعمار النفسي لأهالي غزة، سواء الكبار أو الأطفال، بالإضافة إلى ترشيحات لجمعيات مجتمعية أخرى لتقوم بالعمل التوعوي مناطقيا.

"دعاء دخول الحمام: يا رب ما يصير القصف وأنا جوة"، نكتة يتداولها أهالي غزة، الذين فضلوا أن يقضوا نهارهم ويناموا ليلهم في مكان واحد مجتمعين، فرغم سوداوية اللحظة فلا يزال البعض قادرا على استدرار الضحك، ولا تزال صيحات الباعة تنطلق في الباحات لبيع الخضروات، والأطفال بعيدا عن القصف يتناوبون على لعب الكرة، في حين تتمنى مادلين أن تكتب النجاة لمن بقي حيا.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة