تجارب نزوح مؤلمة من غزة.. هرب بوالده المعاق وزوجته الحامل وتوأمين تحت القصف

الطيران الإسرائيلي استهدف العشرات من المباني السكنية للمدنيين في قطاع غزة (رويترز)
الطيران الإسرائيلي استهدف العشرات من المباني السكنية للمدنيين في قطاع غزة (رويترز)

خرج محمد عباس بأطفاله الخمسة وزوجته الحامل ووالده المعاق من منزله ليلًا، هائمًا على وجهه، هربًا من حمم النيران الإسرائيلية على بلدة أم النصر (القرية البدوية) في شمال قطاع غزة.

ويقول عباس للجزيرة نت "كان المشهد مروعا، ولم أتوقع أن نخرج أحياء من البلدة، كنت أدفع والدي السبعيني المعاق على كرسيه المتحرك، وزوجتي تجر قدميها جرًّا، وأطفالي يتعلقون بنا من شدة الخوف، وأصوات الانفجارات في كل مكان تبث الموت والرعب".

النزوح مرتان

لجأ عباس بأسرته ووالده إلى أقارب له في بلدة بيت لاهيا، لكن غارات جوية إسرائيلية عنيفة لاحقتهم، واستهدفت منازل سكنية في البلدة، فواصل طريقه هربًا ولجأ إلى مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وكان قد سبقه إليها الآلاف، ولم يجد فيها متسعًا، فذهب إلى مدرسة أخرى في مخيم جباليا للاجئين (شمالي القطاع).

وقال عباس "كان مساء اليوم الأول من عيد الفطر، عندما انهمرت صواريخ الطائرات وقذائف المدفعية على البلدة، لقد خرج الجميع يتدافعون في الشوارع بلا وعي، لا يعرفون لهم وجهة ولا يريدون سوى النجاة بأنفسهم".

ومنذ مساء الخميس الماضي يقيم عباس وأسرته ووالده في غرفة صفية داخل المدرسة تضم 25 فردًا من أقاربه، بينهم شقيقه وزوجته وأطفالهما الأربعة، وسط ظروف وصفها بأنها "غير إنسانية" وتفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.

المدرسة مكتظة عن آخرها، لا يوجد أي متسع لنازح جديد، وهذا الاكتظاظ ينذر بكارثة صحية بسبب عدم توفر النظافة المطلوبة في دورات المياه، وفقا لعباس.

فرق الدفاع المدني تبحث عن الضحايا تحت الأنقاض في غزة​​​​​​​ (الأناضول)

حرب مسعورة

ووصف الوضع بأنه "كارثي"؛ لقد اندلعت الحرب في ظل تفشي جائحة كورونا، ولا أحد من النازحين يكترث بارتداء الكمامة. وتساءل: "ومن سيخشى من كورونا في ظل هذه الأجواء المرعبة من حرب إسرائيلية مسعورة؟ّ!"

وبسبب هذا الاكتظاظ الشديد، يقضي الرجال ساعات الليل أمام الغرف الصفية وفي ممرات المدرسة، كي يوفروا للنساء خصوصية من أجل النوم بعض الوقت، ويقول عباس "النوم في هذه الظروف يصبح مستحيلًا؛ الرجال في مركز الإيواء يستغلون أوقات الهدوء القصيرة في النهار من أجل بعض الراحة".

وهذه تجربة النزوح الثانية لعباس وكثير من النازحين؛ ففي حرب عام 2014 عايش تجربة مماثلة، لكنه يصف الحرب الحالية بأنها "أكثر دموية وشراسة".

ولا يشعر عباس بالأمان رغم وجوده في مدرسة يعلوها علم يحمل شعار الأمم المتحدة، ويقول "هذه الحرب بلا محرمات لدى إسرائيل، إنها تقصف كل شيء، وسبق لها في الحرب الماضية استهداف مدارس، فماذا فعلت الأمم المتحدة؟"

وأضاف "لم تنته الحرب بعد، وزوجتي وأطفالي تداهمهم أحلام مزعجة تجعلهم ينتفضون من النوم وهم يصرخون".

مجد (14 عامًا) -نجل عباس الأكبر- يهرب من التفكير في الحرب بالنوم، ويعتقد أن الموت وهو نائم أخف ولا يشعره بالألم.

دراسة تحت القصف

أما ريم تيسير وتوأمها محمد فلهما معاناة من نوع مختلف مع النزوح، فهما طالبان يستعدان للتقدم لامتحانات الثانوية العامة (التوجيهي)، والمقررة منتصف الشهر المقبل.

نزحت ريم مع أسرتها (9 أفراد) وشقيقها المتزوج حديثا من منزل الأسرة شمال مدينة غزة إلى مدرسة تابعة للأونروا في حي النصر بالمدينة، إثر اشتداد القصف الإسرائيلي.

تقول للجزيرة نت "هربنا من المنزل سيرًا على الأقدام، ولم أفكر في حمل كتبي الدراسية؛ فالخوف لم يجعلني قادرة على التفكير في شيء". ورغم صعوبة الحياة في مركز الإيواء، وعدم وجود الأجواء الملائمة التي تساعدها على الدراسة استعدادًا للامتحانات النهائية، فإن ريم وتوأمها محمد حصلا على كتب من صديق، ويحاولان الدراسة وعزل نفسيهما عما يدور في الخارج.

تحلم ريم بأن تصبح ممرضة، ويحلم محمد بأن يدرس الصحافة والإعلام، وكلاهما يتطلع إلى أن يكون له دور بارز في خدمة المجتمع.

وتقول أسمهان -شقيقة ريم وتكبرها بعامين- للجزيرة نت إن والدهما سائق سيارة إسعاف لم يلتق أسرته منذ اندلاع الحرب، "وكان النزوج ومغادرة البيت قرار والدي بعدما لحقت بمنزلنا أضرار جراء الغارات العنيفة، فقد اتصل أبي وطالبنا بالمغادرة فورًا، فهو يعمل في الميدان ويقدر خطورة ما يدور والجرائم التي ترتكبها إسرائيل".

وتتذكر أسمهان أنها نزحت مع أسرتها في حرب 2014، وكانت في ذلك الوقت طفلة في 14 من عمرها.

ووصفت النزوح بأنه "مؤلم، والعيش في مدرسة غير مؤهلة لإقامة الناس يزيد الحياة صعوبة"، وقالت "خرجنا بملابسنا التي نرتديها، وبعض المال، ونعيش منذ 6 أيام على الطعام المعلب، ولم يقدم لنا أحد أي مساعدة".

العديد من أطفال غزة استشهدوا خلال العدوان الإسرائيلي المستمر على القطاع منذ أسبوع (غيتي)

الحرب وكورونا

وقال المستشار الإعلامي لأونروا عدنان أبو حسنة للجزيرة نت إن نزوج نحو 43 ألف إنسان إلى 48 مدرسة يشكل ضغطًا هائلًا على أونروا، التي تعاني من عجز مالي في موازنتها يقدر بـ150 مليون دولار أميركي.

وأضاف أن أونروا تقدم المياه الصالحة للشرب، والطعام، وأغطية، ووسائل نظافة ومعقمات، مبديًا خشيته من تفشي كورونا بين النازحين بسبب الاكتظاظ الشديد وعدم توفر إجراءات السلامة.

وأوضح أبو حسنة أن النازحين ينقصهم كل شيء، فقد هربوا من منازلهم في مناطق الخطر، وخلفوا وراءهم كل شيء للنجاة بأنفسهم.

ويخشى أبو حسنة تكرار تجربة النزوح في حرب 2014، عندما لجأ نحو 400 ألف إلى مدارس أونروا بحثا عن الأمان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ظهرت هنادي الحلواني -المقدسية المرابطة على أعتاب الأقصى ومحفظة القرآن- عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها إحدى المبعدات إداريا عن المسجد الأقصى اللواتي صدر قرار بحرمانهن من دخول ساحات حرم الأقصى.

17/5/2021

تضاربت الأنباء بإسرائيل بشأن خفض التصعيد ووقف العمليات العسكرية على غزة، في وقت واصل فيه الاحتلال قصف مناطق متفرقة من القطاع جوا وبرا وبحرا. في المقابل، استمرت المقاومة الفلسطينية في قصفها الصاروخي.

18/5/2021
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة