حكايات الملح.. تغيير طاقة الجسد والتخلص من ضغوط المدينة

وحدات إضاءة مصنعة من الملح والأخشاب الطبيعية، آخر ما وصل إليه الأحفاد، بعدما استوطن الأجداد سيوة، وامتهنوا الزراعة والتجارة والنجارة

وحدات إضاءة من الملح والخشب من منتجات التراث السيوي (الجزيرة)
وحدات إضاءة من الملح والخشب من منتجات التراث السيوي (الجزيرة)

في البدء كان الصندوق، الإرث الذي توارثت صنعه أجيال متعاقبة في الواحة البعيدة، في سيوة بمصر كان محمد، هو ابن الجيل الخامس لعائلة اختارت واحة الغروب مستقرا لها، منذ نزوحها عن تونس، أما عيسى فهو الأب الأمازيغي، الذي قرر أن يحيي التراث السيوي، في خطوة سابقة بكثير من السنوات عن هواة المنتجات التراثية الآن.

وحدات إضاءة مصنعة من الملح والأخشاب الطبيعية، آخر ما وصل إليه الأحفاد، بعدما استوطن الأجداد سيوة، وامتهنوا الزراعة والتجارة والنجارة، لكن محمد ولد عيسى، الشاب الذي قضى نصف عمره في مهنة والده "النجارة"، غيرت حياته صدفة، وكان لها أثر كبير على تغيير نمط الحياة في سيوة بأكملها وليس في أسرة عيسى فقط.

محمد ولد عيسى صاحب ورشة المنتجات التراثية (الجزيرة)

منذ سنوات، حوّل عيسى ورشة والده للنجارة إلى المنتجات التراثية، فبعد أن كانت أشكال النجارة المعتادة في البيوت السيوية قاصرة على استخدام أهل الواحة فقط، صار الطلب عليها كبيرا من خارج الواحة وخارج مصر كلها.

الصدفة وحدها قادت عيسى للذهاب إلى طابا في رحلة لتوريد بعض أشكال المنتجات الخشبية وأشكال الملح السيوي إلى إحدى القرى السياحية هناك، وفي طابا كانت مقابلته مع مهندس بولندي، الذي غير نظرته للمنتجات الملحية وتعرف من خلاله على قيمتها الحقيقية.

يقول عيسى للجزيرة نت "كنت أقوم بتصنيع المنتجات التراثية من الأخشاب والملح، كما هي عادة أهل سيوة، فقط لأنها عادة توارثناها، لكني لم أكن أعرف شيئا عن فوائد الملح وقدراته الهائلة وطاقته الإيجابية، لكن مقابلتي مع مهندس بولندي، غيرت نظرتي تماما، وحياتي كذلك".

دعوة تلقاها المهندس البولندي لزيارة الواحة المصرية، وبالفعل عاش بين أهلها شهرا كاملا، كان هذا الشهر هو فاتحة الخير على أهل سيوة، حيث عرفوا من خلاله ما هي كهوف الملح، وكيف يستخدم الملح لتغيير طاقة الجسد، وعلاج الأعصاب والضغوط العصبية والنفسية الناشئة عن توتر المدينة.

من ملح سيوة، بنى المهندس البولندي أول كهف للملح في طابا، ومن بعده صار ملح الأرض لأهلها، فبنى السيويون كهوف الملح وعرف عيسى وأسرته غرضا آخر للملح غير أنه يحمي شعلة النار من الانطفاء في الليالي الباردة.

في الأسواق راجت منتجات الملح بعد انتشار ثقافة تأثير الملح على طاقة النفس والجسد (الجزيرة)

ورشة عيسى تعتمد على تصنيع المنتجات الملحية والخشبية وتصديرها لخارج مصر، لكن في الآونة الأخيرة صار الطلب على منتجات الورشة ممتدا لداخل مصر، مؤكدا أن كثيرا من طلبات التوريد تأتيه من القاهرة والإسكندرية بعد أن انتشرت ثقافة تأثير الملح على طاقة النفس والجسد.

يضيف عيسى للجزيرة نت، أن الطلبات من دول الخليج العربي تنافس أوروبا الآن، مؤكدا أن الأسعار التي يبيع بها منتجاته تعتبر في متناول الجميع "الخير خير الأرض، نحن نأخذ ثمن عملنا فقط، لكن الملح من صنع الله لا نأخذ ثمنه".

يعاون عيسى في ورشته أكثر من 15 عاملا، ساعيا لأن تكون الورشة بمثابة مدرسة للحرفة في سيوة، فهو يخشى على مهنته أن يتجاوزها الزمن، مثلما تجاوز نجارة الباب والشباك في زمن والده، ويقول عيسى "الصدفة قادتني لطريق جديد، لكني أسعى دائما لتطويره لكي يستمر الطريق مفتوحا أمام أبنائي".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يكافح مصلحو الساعات النادرة في بغداد للحفاظ على مهنتهم من الاندثار. ويقول هؤلاء إن الثورة الرقمية وانتشار الهواتف الذكية وندرة قطع غيار الساعات القديمة كلها عوامل تهدد مهنتهم.

آلاء عبد الرازق شابة أردنية، اختارت مكافحة البطالة عبر احتراف مهنة النجارة، اختارت آلاء في ظل الأوضاع الصعبة أن تتولى زمام الأمور وفتحت ورشة للنجارة وفّرت من خلالها ايضا فرص عمل للاجئين سوريين.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة