رمضان زمان في لبنان.. ذكريات الألفة والبساطة يوم كانت العائلات قلبا واحدا

تقول سعدية الشريف كنا لا نمزح كثيرا في رمضان فللشهر احترامه وتقديره، وكانت السيدات بعد انتهاء الطبخ يقرأن القرآن

جدارية في خربة سلم تمثل حياة القرية اللبنانية قديما (الجزيرة)
جدارية في خربة سلم تمثل حياة القرية اللبنانية قديما (الجزيرة)

ما تكاد تتحدث عن رمضان في ذاكرة لبنان حتى يبدأ الكبار يتحسرون على أيام مضت على البلد، في مدنه وقراه، يوم كانت العائلات قلبا واحدا.

الأجداد يتذكرون آباءهم وأجدادهم وتبرق عيونهم بحكايات زمان، ويسمون جيرانهم فردا فردا وكأنهم على شريط مسجل حافظ لذكرى تلك الأيام.

مدخل أسواق بيروت حيث كان يتسوق البيروتيون قديما (الجزيرة)

رمضان أم حسن

"كانت أم حسن تصلي وتسبح بعد الأذان، ننتظرها للإفطار معا وهي تسهب في صلاتها ودعائها" تخبر خديجة القاسم (70 عاما) عن حماتها التي توفيت منذ 10 سنوات عن عمر 97 عاما، وتضيف أنهم لم يستطيعوا مجاراتها لا في تقواها ولا في صيامها حتى آخر عمرها.

كانت أم حسن رغم أميتها تختم القرآن حفظا عن والدها. تخبر خديجة أن حماتها لم تكن تعرف تماما ماذا تقول لكنها كانت مؤمنة جدا. وكانت دائما تستغرب الأنواع المتعددة على سفرة الإفطار، وتقول إنهم كانوا يتناولون صنفا واحدا، وجل ما كان يتغير عن الأيام العادية التمر الذي يفتتحون به إفطارهم، وكان يحضره والدها من العراق.

سوق الطويلة في بيروت حديثا (الجزيرة)

الحلوى البسيطة

خديجة من جهتها تتذكر من رمضان في قريتها البقاعية المسحر (المسحراتي) الذي كان يطرق على آنية نحاسية، والجيران الذين يجتمعون أمام بوابات بيوتهم أثناء السحور ويدعون بعضهم بعضا.

وتقول إن والدتها كانت تحضر الطعام من خيرات الحاكورة أو الحديقة الصغيرة وبعض الحبوب. "لم نكن من الأغنياء وكنا نتناول اللحم مرتين في الأسبوع في رمضان، ومرة في الأسبوع بقية أيام السنة. وكان وجهاء القرية يقيمون الذباح للإيفاء بالنذور، فيصيبنا ما كتب الله لنا من اللحوم والحلويات".

أما الحلويات التي كانت تحضرها والدتها فكانت عبارة عن خبز الصاج يحمص أو يقلى بالقليل من السمن ويضاف إليه الماء والسكر، ويسمى في القرية "حراق الإصبع". وتقول إنه رغم ضيق الحال كانت تفرح بأيام رمضان مع العائلة الكبيرة والاجتماع بالأقارب والجيران طوال الشهر الفضيل.

سعدية الشريف أثناء السحور كانت تستيقظ مع والدتها كونها الابنة الكبرى لتحضير الفتة والحمص بالطحينة واللحمة، والصنوبر والأجبان والفول المتبل (الجزيرة)

السفرة على الأرض

من جهتها، تقول سعدية الشريف (75 عاما) "في بيت أبينا كنا 13 ولدا، كان يأخذني إلى سوق النورية في بيروت يشتري جميع أنواع الألبان والأجبان والحلاوة والفستق الحلبي، ثم إلى سوق السمك والخضار، ويتبعنا العتال حاملا ما هب ودب، وكان أبي يأتينا بصناديق الفواكه لتحضير مربى التفاح والسفرجل والمشمش".

وتنوه سعدية إلى أن حول المطبخ رفوفا حجرية تنتظر المراطبين (الأواني الزجاجية) المليئة بمونة شهر رمضان.

وتقول إنها تنتمي لعائلة متواضعة وكان الجميع ينتظر رمضان، فيدعو الأب الأولاد المتزوجين وعائلاتهم، وكانت خالتها وجدتها تعيشان معهم فيحتشد المنزل بالناس.

وتضيف سعدية "كنا نفرش سفرة على الأرض من أول الغرفة حتى آخرها، وكانت السفرة غنية جدا، أشكالا وألوانا، وكانت ثمنها رخيصا، ومع هذا كان أجدادنا يقول رزق الله على أيام زمان، حيث كانوا يشترون بفرنك سفرة كاملة".

وقبل رمضان كان والدها يصطحب الجيران بعد أن يستأجر باصا، كل واحد يأخذ طبخته معه، ويجتمعون في الأحراش ويأكلون ويلعبون ويمضون نهارهم.

وتقول إن والدها كان يشتري 10 أو 15 بطيخة بعد أن يختارها مع جاره، ويضعها تحت السرير إذا تزامن شهر رمضان مع الصيف.

أثناء السحور كانت تستيقظ مع والدتها كونها الابنة الكبرى لتحضير الفتة والحمص بالطحينة واللحمة، والصنوبر والأجبان والفول المتبل.

نزهات ما قبل رمضان مع العائلة من أرشيف سعدية الشريف (الجزيرة)

المسحراتي الشخصية المحببة للأطفال

تستذكر سعدية أنه كان لمنطقة طريق الجديدة في بيروت كلها مسحراتي واحد، كان يقف أمام كل بيت في كل الحارات ويحمل طبلا وعصا وينادي "يا نايم وحد الله، أبو سعيد الشريف وحد الله، كان يعدد إخواني الشباب بالاسم، ويكمل، قوموا على سحوركن جايي النبي يزوركن".

ويقولها بشكل لحن متعارف عليه. تخبر أنهم كانوا كأطفال ينتظرون ليروه ثم يركضوا إلى الشرفات. ومن لا يذكر اسمه كان يحزن فيعده المسحراتي أنه سيذكره في الليلة التالية "تكرم عيونك". ومن لا يسمعه لا يستيقظ على السحور، ويلوم نفسه ويسأل الجيران إن كان الطبال أي المسحراتي قد نادى عليه.

وكان المسحراتي بالنسبة للأطفال الشخصية الساحرة، ينتظرون يوم العيد ليأتي ويقرع على طبله، ويقدموا له المعمول و"اللي فيه النصيب" أي ما تيسر من المال.

تقول سعدية إن المسحراتي كان لطيفا يمر في كل الأحياء، وليس مثل شباب اليوم الذين يأتون بأصوات عالية وعلى الموتوسيكلات "الدراجات النارية" ويذيعون بالميكروفون ولا ينادون على أسماء الناس، بل يشكلون إزعاجا لهم بالزمامير.

وكانت حلويات العيد عبارة عن معمول وكعك وأقراص التمر، كله يحضر منزليا قبل رمضان بأيام ويترك في مراطبين (أوانٍ) زجاجية حتى العيد.

سعدية في حضن والدها قبل أن تصبح العائلة 13 ابنا وبنتا- من أرشيف سعدية الشريف (الجزيرة)

الصلاة جماعة

أما الصلاة فكان والد سعدية يقف ويؤمهم في صلاة الجماعة، تقف وراءه زوجته وأبناؤه والأحفاد بعد الإفطار لصلاة العشاء، وبعدها يأتي دور قراءة القرآن وختمه بمعدل مرتين أو ثلاث مرات خلال الشهر. ثم تأتي التسلية لاحقا بالمسامرة مع الجيران.

بعض الجيران كانوا يبقون من صلاة العشاء إلى وقت السحور في الجامع. وينامون بعد صلاة الفجر خاصة الذين لا أعمال لديهم.

تقول سعدية، "كنا لا نمزح كثيرا في رمضان فللشهر احترامه وتقديره، وكانت السيدات بعد انتهاء الطبخ يقرأن القرآن، وابنتي تقرأ كل يوم خميس ليلة الجمعة سورة الكهف".

الأطفال كانوا ينتظرون العيدية ورؤية المسحراتي يوم العيد – من أرشيف سعدية الشريف (الجزيرة)

المدفع والعيدية

هلا شهاب (69 عاما) من جهتها تذكر أن الناس لم يكونوا قادرين على سماع الأذان ولم يكن توجد مكبرات صوت، لذا كان الناس يتكلون على صوت المدفع الذي يوضع في ساحة مثل رملية ليفطرون.

أما العيدية، فكان والدها يصرف المال فرنكات وعشرات القروش وليرات، يضعها أمامه.. والعيدية للكبير والصغير، وللأم والأخت. وبعض الناس لم يتركوا هذه العادة حتى اليوم.

"كان العيد مهم جدا لأننا سنحصل على العيدية ونذهب في نزهات "ونتشبرأ" (أي يصرفون المال كيفما اتفق). كنا نقول لبابا صباح الخير فيتناول من جيبه النقود ويعطي الصغار أقل من الكبار ونحزن ونتمنى أن نكبر. كان كل شيء جميلا وله رهجته".

وتخبر هلا أن الرجال كانوا يعملون أوقاتا إضافية لتأمين العيدية كي لا يكسر بخاطر أولاده.

جدارية في قرية خربة سلم في لبنان للدبكة في البيدر (الجزيرة)

العيد على البيدر

هاجر ماجد (80 عاما) من قرية خربة سلم في الجنوب اللبناني تقول كانت أيام طفولتها أيام فقر، ولم تكن الموائد متنوعة مثل اليوم "كنا نأكل بليلة، ولا أحد يدعو أحدا إلى الإفطار، وكان التجمع ينحصر أثناء السحور كل يحضر أكله ونجلس أمام البيوت".

تذكر أن والدتها كانت تخبز لكامل الشهر قبل رمضان، ويملؤون الماء من العين. وكان لديهم 3 بقرات "ظريفة وحجابة ونوارة"، تحلب الأم البقرات وهي جالسة على طبلية، وتدندن "يا ظريفي ويا عيني يا حلابة الرطليني"، وتشرب كوبا طازجا من الحليب قبل بسترته، ثم تذهب إلى قن الدجاج وتأكل بيضتين نيئتين عندما يحين الإفطار.

والسحور كان من إنتاج البقرات، لبنة وحليب مع كعك أورشللي، يأكلونه في "جنطاس" وعاء نحاسي. وكانوا يحتفظون بالتين المجفف والمحلى لليالي رمضان بدل الحلويات والشوكولا.

هاجر ماجد: في طفولتنا كان البيدر يمرر الصيام أسرع (الجزيرة)

وتخبر هاجر أن أجمل ما تتذكره شراء جدها فستان العيد لها من القرية المجاورة، مما جعلها تتباهى وتعرضه أمام الزوار مما جعل جدها يغضب منها.

في النهار وليقطع وقت الصيام أسرع كانت هاجر وجيرانها يدبكون في البيدر وينشدون الأغنيات ويلعبون كأنهم ركاب باص يمسكون بعضهم بعضا، ويقودهم شخص ويقول إنه يأخذهم برحلة إلى فلسطين، "يأخذنا إلى مدن وقرى ونحن على البيدر".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بدأت بعض العادات الرمضانية بالاندثار، فبسبب وجود مكبرات الصوت في المساجد اختفت مهمة المسحراتي الذي كان يطوف لإشعار الناس بدخول وقت السحور. لكن كثيرا من تقاليد رمضان زمان باليمن باقية، تعرف عليها.

17/4/2021

لرمضان الكويت في السابق بهجة خاصة، بسبب بساطة الحياة قديما وقرب الجميع ومعرفتهم ببعضهم البعض بفضل التصاق البيوت. ويتذكر كبار السن العديد من طقوس شهر رمضان المبارك التي عاشوها أو سمعوا قصصها من أهلهم.

15/4/2021
المزيد من رمضان 2021
الأكثر قراءة